عثمان الشويخ يكتب: "وهم الخلاص": خطة ترامب لغزة.. إطار صهيوأمريكي لتأبيد الأزمة لا حلها
في خضم الدمار المستمر والأفق السياسي المسدود في قطاع غزة، تظهر من جديد خطة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بـ 21 بنداً لإنهاء الحرب، مقدمة نفسها في ثوب المنقذ والمُصلح. يحلل هذا المقال بنود الخطة ويكشف عن جوهرها الحقيقي: مخطط صهيوأمريكي هدفه ليس تحقيق سلام عادل، بل إعادة صياغة المشهد لخدمة مصالح دولة الاحتلال وتأبيد الوصاية الدولية على القطاع.
إن التدقيق في هذه البنود، من "نزع سلاح حماس" إلى "الانسحاب التدريجي" و"الحكومة الانتقالية بإشراف دولي"، يؤكد أننا أمام وثيقة لا يخلو بند واحد منها من الغموض والتميع والتسويف والتأويل، وتفتقر لأي ضمانة حقيقية يمكن البناء عليها.
ترامب ونتنياهو: وجهان لعملة الاحتلال ذاتها
إن النظرة الفاحصة تُجزم بأن خطة ترامب تصب بالكامل في صالح إسرائيل، الدولة المحتلة. لا يوجد فرق جوهري بين الرؤية الأمريكية المُقترحة وتوجهات رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو. كلاهما وجهان لعملة واحدة تسعى إلى تثبيت تفوق الاحتلال الأمني والسياسي على حساب الحقوق الفلسطينية.
الولايات المتحدة الأمريكية ليست وسيطاً نزيهاً؛ هي خصم وشريك أساسي في الإبادة الجماعية والتجويع والدمار الذي تشهده غزة وفلسطين عموماً. لولا الغطاء العسكري والسياسي والدعم اللامحدود الذي توفره واشنطن لتل أبيب، لكان مصير دولة الاحتلال قد حُسم منذ زمن. وبالتالي، فإن القبول بخطة قادمة من طرف متورط في الجريمة هو نوع من إضفاء الشرعية على العدوان وتجاهل لتاريخ طويل من الانحياز الأمريكي.
تفكيك المقاومة تحت شعار "الإنسانية"
الخطة، ببنودها الواسعة من منع حماس من الحكم ونزع سلاحها (البند 13) والعفو المشروط (البند 6) إلى تشكيل حكومة تكنوقراط انتقالية بإشراف دولي (البند 9)، لا تهدف سوى إلى تدمير حركة حماس وقتل وجودها كقوة سياسية وعسكرية على الأرض.
لا يُعقل أن تقبل حماس أو توافق على هذه الخطة إطلاقاً. القبول بها اليوم يعني القبول بمصير كان يمكن لها أن تقبله بشروط ربما أقل قسوة منذ سنتين. بعد كل ما قدمته الحركة من تضحيات، من غير المنطقي التخلي عن نفوذها وموقعها في معادلة المقاومة مقابل وعود غامضة و"عفو" يهدف إلى إقصاء وتركيع. إن هذا الشرط هو في جوهره شرط استسلام كامل، وهو ما لن تقبله قوة لديها قاعدة شعبية على الأرض. القبول بمثل هذا السيناريو هو نقرة أخرى تخدم الاحتلال وتؤجل أي حل عادل.
وهم الدولة والضمانات الغائبة
أما البند الذي يمثل "الجائزة الكبرى" سياسياً، وهو "فتح مسار نحو دولة فلسطينية مستقبلية" (البند 20)، فهو الأكثر خداعاً وغموضاً. إن التاريخ الفلسطيني مُثقل بوعود مشابهة لم تتحقق منذ اتفاقية أوسلو. الخطة لا تقدم أي جدول زمني أو ضمانات ملموسة؛ إنها مجرد حبر على ورق يمكن أن يتبخر بمجرد انتهاء "المرحلة الانتقالية".
إننا لا نثق في أمريكا ولا إسرائيل قيد أنملة. هذا المخطط الذي لا يحمل سوى مكاسب للمحتل ومزيداً من التوسع الإسرائيلي والأمن المطلق له، يفتقر إلى أي ضمانة حقيقية على أرض الواقع. وسيستمر الاحتلال في ارتكاب جرائمه وأحلامه بل بشكل أكبر وأوسع تحت غطاء هذه الإدارة الدولية الهشة، في ظل بنود مثل الانسحاب التدريجي (البند 16) الذي يتيح للاحتلال التحكم في الإيقاع.
الحل: إدارة فلسطينية عربية بزعامة مصرية
إذا كنا نبحث عن حل حقيقي وشامل ينبع من مصالح الشعب الفلسطيني والأمن الإقليمي المستدام، فيجب أن يكون الحل في إدارة فلسطينية عربية خالصة بزعامة مصرية. مصر، بحكم جوارها الجغرافي وتاريخها الطويل في التعامل مع القضية، هي الأقدر على قيادة عملية إعادة الإعمار والوصاية المؤقتة، بعيداً عن الوصاية الأمريكية الإسرائيلية المشتركة التي تفرضها خطة ترامب.
هذا الطرح يضمن: السيادة الفلسطينية، الشرعية العربية، وفصل الملف الأمني عن السياسي.
الخلاصة هي أن خطة ترامب ليست خطة سلام، بل إطار لإدارة الأزمة وتصفية المقاومة وتأمين مستقبل إسرائيل. لن يكون هناك حل عادل ومستدام ما دامت الولايات المتحدة تستخدم نفوذها لتكريس الاحتلال بدلاً من إنهاءه.





