​عثمان الشويخ يكتب: إعادة رسم الخريطة: خمس محطات ضرورية لإحياء الحياة النيابية وتمكين المواطن

​عثمان الشويخ يكتب: إعادة رسم الخريطة: خمس محطات ضرورية لإحياء الحياة النيابية وتمكين المواطن

​في أعقاب كل استحقاق نيابي، ومع كل رسالة واضحة من القيادة السياسية تدعو إلى "التدقيق في الاختيار" والحرص على الكفاءة والنزاهة، يتجدد النقاش الوطني حول الأدوات والآليات التي تضمن أن يكون البرلمان "حصن التشريع ومراقب الأداء" بحق. إن حماية الجبهة الداخلية المصرية وتقويتها في وجه التحديات الوجودية تتطلب منا، كجبهة وطنية موحدة خلف الدولة، أن نفتح ملف الإصلاح السياسي والنيابي بجرأة وموضوعية، وأن نرسم خريطة طريق واضحة بخمس محطات رئيسية.

هذه المحطات ليست "نقدًا هدّامًا"، بل هي دعوة لتعزيز الثقة في العملية الديمقراطية، وتأمينها من أي ثغرة يمكن استغلالها من قِبل المتربصين، كما أشرنا في مقالنا السابق بتاريخ ١٧/١١ عن انتخابات ٢٠٢٥.

​وتأتي أهمية هذا الطرح في ظل المستجدات الراهنة، حيث تَقَدَّمَ ما يزيد عن ١٢٠ طعنًا على النتيجة النهائية للانتخابات أمام المحكمة الإدارية العليا، الأمر الذي يفتح الباب أمام احتمالية لإلغاء الانتخابات البرلمانية بالكامل. وفي هذا السياق، قد يُطرح خيار تمديد عمل البرلمان الحالي لمدة عام بالشكل السابق، ليتمكن من معالجة هذه التحديات وإجراء تعديلات ضرورية على قانون الانتخابات لضمان سلامة الاستحقاقات القادمة.

​وفي هذا الإطار، نتبنى الطرح البنّاء الذي قدمه الدكتور هشام فهمي، معاون رئيس مجلس الوزراء الأسبق، والذي حدد خمسة محاور ضرورية لإحياء الحياة النيابية وتمكين المواطن، وهي المحطات التي نعرضها تفصيلاً:

​١. تأمين البوابة التشريعية: لجنة الانضباط وحق التصويت الواعي
​إنّ محاربة ظاهرة "شراء الأصوات" و"المال السياسي"، التي تهدد "نزاهة المؤسسات ومصداقية الممارسة التشريعية"، يجب أن تبدأ من بوابة الترشح والتصويت، مع الأخذ في الاعتبار تحذير القيادة الحاسم:
تصريح ناري من الرئيس السيسي: "اللي يديك فلوس أو بون أو أنبوبة بوتجاز عشان تختاره في مجلس النواب.. ده تمن أقل كتير من قيمة صوتك."
هذا التحذير الرئاسي يضع المسؤولية كاملة على عاتق الناخب، ويؤكد ضرورة رفع قيمة "الصوت" الوطني.
​لجنة الانضباط للترشح والتأهيل: لا يكفي أن تكون الكفاءة والنزاهة هي المعيار، بل يجب تأسيس لجنة انضباط نيابي عليا تتولى فحص ملفات المرشحين بعمق، ليس فقط من الناحية القانونية، بل للتأكد من خلو سجلاتهم العامة من أي شبهة فساد أو استخدام للنفوذ أو "إنفاق مبالغ طائلة" للحصول على المقعد.
​تأهيل مجلس الشيوخ: يجب أن تضع هذه اللجنة معيارًا حاسمًا للأعضاء المترشحين والمُعيّنين في مجلس الشيوخ على وجه الخصوص. هذا المجلس، الذي يحمل اسم "مجلس الشورى" سابقًا، يتطلب عضوية ذات مؤهل علمي عالٍ وخبرة متخصصة (قانونية، اقتصادية، اجتماعية، ثقافية). فرأيه استشاري، وفاقد الشيء لا يعطيه. يجب أن يضم المجلس نُخبة من الخبراء القادرين على تقديم الرأي الموزون للدولة، سواء جاءوا بالانتخاب أو التعيين.
​تصويت الواعي: لتقليل تأثير الإغراءات المالية على الناخبين الأكثر عرضة لـ "بيع الأصوات" (الذي يُنتج نوابًا قد يسعون لخدمة مصالح خاصة)، يجب إعادة النظر في حق التصويت؛ هل حرمان الأميين من التصويت هو الحل الصارم الذي يضمن أن القرار في الصندوق هو نابع من إرادة واعية لا تتأثر بـ "الكراتين" أو الإغراء المادي؟ هذا الطرح يستهدف رفع جودة الاختيار الوطني أو وضع شرط الحصول على محو الأمية كحد أدنى للناخب.

​٢. عودة المجالس المحلية: مدرسة الكوادر السياسية
​لقد شكلت المجالس المحلية، في السابق، "مفرخة ومدرسة لخروج كوادر سياسية" وطنية حقيقية. إن غياب هذه المجالس لسنوات طويلة خلق فراغًا في قاعدة بناء الكوادر السياسية القادرة على ممارسة الدور التشريعي والرقابي بمهنية. لا يمكننا أن نطالب بـ "النائب الكفء" بينما نحن نغلق الباب أمام ساحة التدريب الحقيقية التي تتيح للشباب اكتساب الخبرة الخدمية والسياسية على مستوى القاعدة الشعبية. إحياء المجالس المحلية هو استثمار في مستقبل الحياة النيابية.

​٣. القائمة في قفص الاتهام: النصر للنظام الفردي أو القائمة النسبية
​كما أوضحنا سابقًا في مقال "أوان التحرير"، فإن نظام "القائمة المطلقة المغلقة" تحول إلى "تعيين مقنّع" أو "قائمة جاهزة تُفرض على الناخب"، مما يقتل حرية الاختيار ويفرغ العملية الانتخابية من معناها الأساسي.
​إن العودة الكاملة أو شبه الكاملة إلى "النظام الفردي" هو الخيار الذي يمنح المواطنين فرصة حقيقية للاختيار بناءً على "رصيدهم الخدمي وقدرتهم على تمثيل دوائرهم". هذا الإجراء يعيد للنائب صفته كممثل للأمة، لا مجرد رقم في قائمة حزبية.
​وإن كان لا بد من الإبقاء على نظام القائمة لأسباب تتعلق بتمثيل بعض الفئات، فيجب أن يكون بنظام "القائمة النسبية المفتوحة"، التي تتيح للأحزاب الصغيرة والمعارضة فرصة للمنافسة وتضمن للناخب حق الاختيار الفعلي لمن يمثله من القوائم المختلفة، وتحد من هيمنة حزبية مسبقة، وهو ما يصب بشكل مباشر في مصلحة الوطن ويعزز من قوته وتماسكه.

​٤. تمكين المرأة: تفعيل الإرادة
 الرئاسية
​تمكين المرأة هو ركيزة أساسية لتقدم المجتمع. ورغم الجهود الكبيرة، فإن الوصول الفعلي للمرأة إلى مواقع القرار يظل تحديًا. تحقيق التمكين يمكن أن يتم بخطوات حاسمة؛ فإذا كان حق التعيين متاحًا لرئيس الجمهورية، فليكن هناك هدف مُلزم للقيادة السياسية يقضي بتعيين ٧٥ امرأة على الأقل في المجلس النيابي من الكفاءات الوطنية غير المنتمية، ليصبح هذا العدد إضافة حقيقية للتمثيل النيابي، بعيدًا عن الحسابات الحزبية و"التضييق على المرشحين المستقلين الأكفاء".

​٥. العودة إلى الأصل: قانون الدوائر الصغيرة
​إن تقسيم الدوائر الكبيرة يصب في صالح المال السياسي والنفوذ العائلي والقبلي، ويجعل مهمة النائب صعبة في تمثيل آلاف القرى والمدن. إن "إعادة قانون تقسيم الدوائر إلي الدوائر الصغيرة" يضمن أن يكون النائب على اتصال مباشر وفعال بناخبيه، مما يُعزز من الرقابة والمحاسبة المجتمعية على أدائه. النائب الذي يمثل دائرة صغيرة يمكنه حقًا خدمة دائرة انتخابية محددة بوضوح، مما يرفع من مستوى أداء البرلمان بشكل عام.

​إن مصر، وهي تخوض معركتها الصعبة لحماية استقرارها، هي في أشد الحاجة إلى نظام نيابي يمثل إرادة حرة واعية، ويعكس بصدق الرؤية الوطنية للقيادة التي لا تتردد في "التأكيد على النزاهة" وحماية الإرادة الحقيقية للشعب. إن تطبيق هذه المحطات الخمس هو المسار الذي يضمن أن يكون البرلمان ممثلًا فعليًا عن شعب مصر تحت قبة البرلمان، ويعزز من قوته وتماسكه.
حفظ الله مصر وشعبها وجيشها وقياداتها العظيمة.