كرة الخيط الانتخابية: حين يهدد سحب "حبة" بفرط "المسبحة" كلها

كرة الخيط الانتخابية: حين يهدد سحب "حبة" بفرط "المسبحة" كلها

​بقلم: عثمان الشويخ
​يشهد المشهد الانتخابي المصري حالياً حالة من الترقب المشوب بالقلق، تجعل عملية انتخاب مجلس النواب في مرحلتها الأولى أشبه بـ "كرة الخيط" أو "المسبحة" التي بدأ خيطها في الانفراط. فالمعلومة الأساسية التي يجب أن نعيها هي أن سحب حبة واحدة يهدد بسحب الخيط كله، وهو ما يضع نزاهة المرحلة بأكملها، وحتى النظام الانتخابي نفسه، تحت المجهر القضائي والوطني.
​—
​الزلزال القضائي: من الإدارية إلى النقض
​لم تكن الأحداث الأخيرة مجرد طعون روتينية؛ لقد كانت بداية لزلزال أظهر هشاشة الإجراءات. فبعد أن ألغت اللجنة العليا للانتخابات سلفاً 19 دائرة من أصل 70 في المرحلة الأولى، جاء الدور على المحكمة الإدارية العليا لتُعمق المشهد.
​لقد قبلت المحكمة الإدارية طعوناً عدة، مستغلة الإطار الزمني الذي منحه إياها القانون (الحكم في غضون عشرة أيام)، وبناءً على ذلك، صدرت أحكام بإلغاء دوائر أخرى، مما زاد من عدد المقاعد الملغاة في الدوائر الفردية.
​لكن كرة الخيط لم تتوقف هنا. فالأنظار تتجه الآن إلى محكمة النقض، التي تُعتبر الجهة القضائية الوحيدة المختصة بالفصل في صحة عضوية أعضاء البرلمان بشكل نهائي، خاصة فيما يتعلق بـ القائمة الانتخابية.
​وفي حين أن القانون ألزم المحكمة الإدارية بالبت في الطعون الفردية خلال أيام، فإن طعون القائمة قد أُحيلت إلى محكمة النقض، التي يمنحها الدستور 30 يوماً من تاريخ إعلان النتيجة النهائية لتقول كلمتها الفصل. هذه الإحالة القانونية ليست تفصيلاً، بل هي جوهر الأزمة؛ فإذا ما فرط عقد القائمة -بشكل جزئي أو كلي- فإن المشروعية الكاملة للمرحلة الأولى ستكون في مهب الريح.
​—
​القائمة المغلقة: نقطة الضعف الجوهرية
​إن هذه التداعيات القضائية المتتابعة ليست سوى نتيجة مباشرة لـ نظام انتخابي يفتقر إلى المرونة ويخنق حرية الاختيار. وكما أشرنا سابقاً، فإن نظام "القائمة المطلقة المغلقة" تحول في التطبيق إلى ما يشبه "التعيين المقنّع" أو "قائمة جاهزة تُفرض على الناخب".
​هذا النظام، الذي يسمح للائتلاف الفائز بأغلبية ضئيلة أن يحصد جميع المقاعد المخصصة للقائمة، هو الذي جعل البنية الانتخابية هشة. فعندما يبدأ القضاء في كشف المخالفات في الدوائر الفردية، يسلط الضوء تلقائياً على الشق الآخر من العملية، وهو شق القائمة، الذي يمثل نصف مقاعد البرلمان.
​إن الأزمة اليوم تؤكد ضرورة العودة إلى الأصل؛ إما بتبني النظام الفردي بشكل كامل لضمان اختيار الناخب بناءً على الكفاءة والرصيد الخدمي، أو التحول فوراً إلى نظام "القائمة النسبية المفتوحة" الذي يتيح التعددية ويمنح الناخب الحق الفعلي في الاختيار من بين مرشحي القوائم المختلفة.
​—
​نحو قرار النزاهة المطلقة
​إننا الآن على موعد مع قرار مهم، حيث ننتظر اليوم اجتماع الهيئة العليا للانتخابات للنظر في المستجدات. إن المسار القضائي الذي بدأ يتكشف، هو بمثابة اختبار حقيقي لقوة الجبهة الداخلية المصرية والتزامها بمبدأ النزاهة المطلقة.
​هذا الموقف يتسق تماماً مع الرسالة الحاسمة التي وجهها رئيس الجمهورية، والذي لم يتردد في التأكيد على ضرورة "التدقيق التام" وإعلاء شفافية الإجراءات، بل ووضع احتمال "الإلغاء الكامل لهذه المرحلة من الانتخابات، أو إلغائها جزئياً" كخيار مطروح، إذا تعذر الوصول إلى إرادة الناخبين الحقيقية.
​إن هذه الكلمات الرئاسية وضعت معياراً لا يمكن الحياد عنه: نزاهة العملية الانتخابية هي صمام الأمان، وهي التي تعزز الثقة الوطنية في مؤسسات الدولة. والآن، وبعد أن بدأ خيط الأزمة في التكشف، يجب أن يكون القرار النهائي مسطراً بمداد من الحكمة والقانون، لضمان أن يكون البرلمان القادم ممثلاً فعلياً وحراً عن إرادة شعب مصر.
​القادم يحمل بين طياته الكثير... وننتظر الكشف عن كامل الصورة.
​حفظ الله مصر وشعبها.