عثمان الشويخ يكتب مرشح مجلس النواب.. بين سحر الشعارات ومسؤولية التشريع

عثمان الشويخ يكتب مرشح مجلس النواب.. بين سحر الشعارات ومسؤولية التشريع


​تتجه الأنظار في مصر اليوم نحو انتخابات مجلس النواب، التي تمثل محطة مفصلية في مسيرة الحياة الحزبية والسياسية. مع اقتراب هذا الاستحقاق، يبرز جدل مستمر حول دور الأحزاب والمرشحين، ومسؤولية الناخب في الاختيار. تخيل لو أنك تسير في شارع مزدحم، وكل المحلات تعرض نفس المنتج، بنفس الجودة، وبنفس السعر. هذا المشهد، وإن بدا خيالياً، كان هو الحال في الحياة السياسية المصرية لسنوات طويلة تحت عباءة الحزب الوطني الديمقراطي. كان الحزب الواحد يسيطر على المشهد، يحدد الأجندة، ويحتكر القرارات، تاركاً الأحزاب الأخرى في الظل، مجرد ديكور سياسي لا حول لها ولا قوة.
​كانت تجربة الحزب الوطني، الذي أشرق نجمه في فلك السلطة، نموذجًا لما يمكن أن تؤول إليه الحياة السياسية عند غياب التعددية الحقيقية. لقد أفرغت هذه الهيمنة مفهوم "الديمقراطية" من محتواه، وحولته إلى مسرحية سياسية هزيلة، لم يعد الجمهور يصدقها.
​أوروبا وأمريكا: دروس في التعددية والجدل
​إذا ألقينا نظرة على تجارب سياسية أخرى، مثل الولايات المتحدة أو الدول الأوروبية، سنجد أن مفهوم "الحزب" يتجاوز كونه مجرد اسم. في أوروبا، تتمتع الأحزاب بهويات واضحة، سواء كانت أحزاب يسار أو يمين أو وسط. هي ليست مجرد أسماء على قوائم انتخابية، بل هي حركات اجتماعية وسياسية لها جذور في الشارع، وتتفاعل مع قضايا المواطنين بشكل مباشر.
​أما في أمريكا، فالجدل حول الحزبين الرئيسيين، الجمهوري والديمقراطي، هو جدل مستمر. هذا الجدل، سواء كان حول الضرائب أو الرعاية الصحية أو الهجرة، هو ما يشكل الحياة السياسية الأمريكية. إنه جدل صحي، يمنع الاستقرار الفكري والسياسي، ويدفع الأحزاب للتطور والتكيف مع التغيرات.
​المرشح البرلماني.. رؤية عامة لا إرضاء للجميع
​تأتي هذه المرحلة لتضع الأحزاب السياسية أمام اختبار صعب: هل ستختار مرشحيها بناءً على الكفاءة والخبرة، أم بناءً على الولاء والمصالح؟ يجب أن يكون المرشحون لشغل مقاعد البرلمان شخصيات واعية لدورهم الحقيقي، وهو تشريع القوانين التي تنظم حياة المواطنين، ومراقبة أداء الحكومة. فمجلس النواب ليس مكانًا للخدمات الفردية، بل هو منبر للتشريع والرقابة، وهذا يتطلب كوادر تتمتع بخبرة قانونية وسياسية، لا مجرد وجاهة اجتماعية.
​في هذا السياق، يجب على مرشح مجلس النواب أن يدرك أن إرضاء الجميع غاية لا تدرك. فالعمل البرلماني الناجح لا يقوم على الوعود الفردية التي تستهدف إرضاء كل فئة على حدة، بل على تنفيذ رؤية عامة شاملة تخدم مصلحة الوطن والمواطن. المرشح الذي يفهم دوره الحقيقي، هو من يمتلك برنامجًا سياسيًا واضحًا، ويركز جهده على بناء منظومة تشريعية فاعلة، لا على تقديم حلول مؤقتة لمشكلات شخصية. فمسؤوليته تجاه ناخبيه هي مسؤولية تجاه الصالح العام، لا تجاه المصالح الخاصة.
​مصر اليوم: جدل التعددية ومسؤولية الاختيار
​بعد انقضاء انتخابات مجلس الشيوخ المصري، يتجه المشهد السياسي نحو انتخابات مجلس النواب، وهي محطة جديدة وحاسمة في مسيرة التعددية. إنها فرصة حقيقية للأحزاب لتثبت وجودها، وللمواطنين لممارسة حقهم في الاختيار بحكمة.
​وفي المقابل، تقع على عاتق المواطنين مسؤولية كبرى. يجب أن يكون الناخب إيجابيًا وواعيًا، وأن يختار ممثله بناءً على البرنامج السياسي، لا على المصالح الشخصية أو القبلية. إن اختيار مرشح مؤهل، قادر على فهم القضايا الوطنية والمساهمة في سن قوانين تخدم المجتمع، هو السبيل الوحيد لضمان أن يكون مجلس النواب ممثلًا حقيقيًا لإرادة الشعب، وليس مجرد ساحة للمصالح الضيقة.
​إن تعدد الأحزاب ليس هدفًا في حد ذاته، بل هو وسيلة لإثراء الحياة السياسية وتقديم بدائل حقيقية للمواطن. إنه فرصة لخلق جدل صحي، يمنع هيمنة فكر واحد، ويفتح الباب أمام الجميع للمشاركة في بناء مستقبل أفضل. هذا الجدل هو ما تحتاجه مصر اليوم لتنتقل من عهد الهيمنة إلى فضاء التعددية الحقيقية، حيث يتكامل دور الأحزاب مع وعي المواطن لخلق حياة سياسية فاعلة.