عاطف طلب يكتب :  حين لا يصل “النمو” إلى البيوت.. صرخة شعب في وجه حكومة الأرقام

عاطف طلب يكتب :  حين لا يصل “النمو” إلى البيوت.. صرخة شعب في وجه حكومة الأرقام


لم يعد الغضب الشعبي همسًا في البيوت أو شكوى عابرة على المقاهي، بل تحوّل إلى صرخة مكتومة تبحث عمّن يسمعها. فبينما تتوالى البيانات الرسمية عن معدلات نمو وطفرة صناعية وأرقام سياحية قياسية، يعيش المواطن المصري واقعًا مغايرًا تمامًا، عنوانه الأبرز: غلاء خانق ودخل لا يكفي وطبقة وسطى تتآكل.
الناس تسمع كل يوم عن تحسّن المؤشرات، لكنها لا تلمس تحسّنًا في حياتها. الأسعار تحلّق بلا رقيب، والمرتبات تتبخر قبل منتصف الشهر، وربّ الأسرة يعمل ليل نهار ليجد نفسه غارقًا في الديون. هنا يبرز السؤال الجوهري: إذا كان الاقتصاد يتحسّن، فلماذا لا يصل هذا التحسّن إلى جيوب المواطنين؟
المشكلة، كما يراها الشارع، ليست في نقص التقارير أو المؤتمرات، بل في فجوة عميقة بين ما يُقال في القاعات المغلقة وما يُعاش في البيوت. التضخم التهم أي زيادات شكلية في الأجور، وقرارات التعويم المتتالية هبطت كالصاعقة على رأس المواطن، دون مظلة حماية حقيقية تخفف الصدمة أو تحاصر جشع الأسواق.
ينتقد كثيرون ما يصفونه بـ«عقلية المكاتب»، حيث تُدار الأرقام من أعلى، بينما يعيش الناس في أسفل السلم بلا أمان. ومع تكرار الوجوه والسياسات، يتصاعد التساؤل: هل خلت مصر من الكفاءات الاقتصادية؟ وهل بات المنصب محجوزًا مهما كانت النتائج؟
الرسالة، وفق هذا الغضب المتراكم، ليست هجومًا شخصيًا بقدر ما هي محاسبة سياسية لمسار كامل. فالفشل ــ كما يراه المواطن ــ تراكم في إدارة الأسعار، وحماية الدخول، وكبح البيروقراطية، وبث أي أمل حقيقي في الشارع.
وفي مقابل النقد، يطرح الشارع خريطة طريق واضحة للإنقاذ إذا توفرت النية السياسية:
أولها حماية المواطن فورًا عبر ربط الأجور بالتضخم الحقيقي، وتقديم دعم نقدي مباشر للطبقة المتوسطة قبل اختفائها، مع تثبيت أسعار السلع الأساسية برقابة صارمة لا تعرف المجاملة.
وثانيها كبح السوق لا مجاملته، بضرب الاحتكار بيد من حديد، ومحاسبة الفاسدين علنًا، وتفعيل الأجهزة الرقابية الغائبة.
وثالثها وقف النزيف عبر تقليل الاعتماد على الاستيراد، وتوجيه الاستثمارات للإنتاج الحقيقي لا للمظاهر، وتخفيف العبء الضريبي عن المواطن الصغير.
أما رابعها، فهو تغيير طريقة التفكير نفسها: فالدولة ليست شركة، والحكومة ليست دفتر حسابات، والشعب ليس رقمًا في تقرير.
في النهاية، لا يطلب الناس رفاهية ولا معجزات. ما يطلبونه أبسط وأعمق: إحساسًا بالعدل، ولمسة رحمة، وإدارة تفهم أن الجوع لا يُقاس بالنسب، ولا يُعالج بالمؤتمرات.
إنها رسالة أخيرة تقول بوضوح: كفاية فشل… كفاية تجاهل… لأن الأوطان لا تُدار بالصبر وحده.