عثمان الشويخ يكتب: "سر الأمان: كيف تُدير مصر صراع المنطقة بحكمة 'رمسيس الثاني'؟"
مصر.. بلد السلام من يومها الأول
إذا سألت عن أقدم مدرسة للسياسة والسلام في العالم، فالإجابة تبدأ في مصر. الأمر ليس مبالغة، فقبل آلاف السنين، وقّع فرعونها العظيم رمسيس الثاني أول معاهدة سلام موثقة في التاريخ مع الحيثيين. هذه البداية ليست صدفة، بل هي جينات في الشخصية المصرية: تحويل الحرب إلى تعايش. وفي عصرنا الحديث، أكدت مصر هذه الجينات مرة أخرى بتوقيع معاهدة كامب ديفيد. من ذاك الزمان وحتى اليوم، تظل مصر هي صانع السلام الأول في المنطقة.
قيادة تستحق "نوبل": صمود ضد "التهجير"
اليوم، نشاهد الفن المصري في الدبلوماسية بأبهى صوره، تحت قيادة حكيمة تتعامل مع أخطر أزمة إقليمية منذ سنوات. الرئيس عبد الفتاح السيسي والقيادة المصرية يستحقون عن جدارة جائزة نوبل للسلام؛ ليس بسبب مبادرة واحدة، بل لجهودهم المستمرة التي حافظت على الأرض والإنسان.
كان الموقف المصري في وجه الضغوط لـ تهجير الفلسطينيين قسرياً أو طوعياً إلى سيناء نقطة تحول حاسمة. مصر قالتها بوضوح: سيادة الأرض خط أحمر، ولا يمكن تصفية القضية الفلسطينية على حساب الأمن القومي المصري. هذا الصمود هو الذي منع أكبر كارثة إنسانية وسياسية في تاريخ المنطقة.
اللعبة السياسية: المناورة التي قلبت الطاولة
لم تتوقف حكمة الدبلوماسية المصرية عند الرفض، بل ذهبت إلى إدارة الأزمة بذكاء لتحقيق نتائج على الأرض. عندما جاء الرد على خطة وقف الحرب، كان التوقيت والتفاصيل تحملان بصمات جهد مصري كبير خلف الكواليس. هذا الرد، الذي جاء قبل انتهاء المهلة المقررة، كان بمثابة "رمي الكرة في ملعب إسرائيل وأمريكا" مرة أخرى.
الخارجية المصرية أكملت الدور ببراعة، حيث رحّبت بالبيان، مؤكدة أنه يعكس "حرصاً على حقن الدماء" وفي نفس الوقت ربطت أي حل بضرورة أن يكون ضمن "أفق سياسي يقود إلى حل الدولتين". هذا الأسلوب الذكي يهدف إلى:
نزع فتيل الإدانة الدولية عن الأطراف الرافضة.
إلزام الجميع بالحل السياسي وعدم العودة للحرب.
هذه مناورة سياسية حكيمة تُدرس، تضمن أن تتجه الأمور نحو التفاوض الحقيقي، وتحافظ على نصر للقيادة الأمريكية كواجهة للحل، بينما يتم تنفيذ ما تراه مصر ضرورياً لـ حماية حقوق الفلسطينيين.
ميزان المنطقة: تنويع الشراكات وفتح الأبواب
الدور المصري لا يقتصر على فلسطين. فالدبلوماسية المصرية تُدير الأزمات في محيطها بكل هدوء. في ليبيا والسودان، تتبنى مصر موقفاً داعماً لوحدة الدول ومؤسساتها، بعيداً عن التدخلات الخارجية. كما أنها أثبتت أنها صمام أمان إنساني باستقبالها ملايين اللاجئين، وهذا دليل على قيمتها كدولة لا تتخلى عن مسؤوليتها الإقليمية.
إن مصر اليوم تُثبت للعالم أنها الكلمة الفصل في أي معادلة للسلام والتعايش، وأن دورها ليس مجرد وساطة، بل هو تثبيت لاستقرار المنطقة بأكملها.





