مايا إبراهيم تكتب : ريتا نجيم الرومي… حين تعتنق الإذاعة قلبًا وهوية

مايا إبراهيم تكتب : ريتا نجيم الرومي… حين تعتنق الإذاعة قلبًا وهوية

في زمنٍ تغيّر فيه إيقاع الصوت، وتعدّدت فيه المنصّات والضجيج، بقيت ريتا نجيم الرومي وفيّة لموجة واحدة… الموجة التي لا تُرى، بل تُحسّ. تلك التي تعبر الأثير وتصل إلى القلب قبل الأذن. لم تكن الإذاعة عندها مجرّد مهنة، بل وطنًا صغيرًا بحجم المايكروفون، وقضيةً بحجم لبنان.

منذ بداياتها، عرفت ريتا كيف تعجن الصوت بالكلمة، وتخيط الهواء بخيوط المعنى. لم تستسلم لضجيج الاستعراض، بل آمنت بالرسالة، وعملت بصمتٍ نبيل لتعيد للإذاعة هيبتها، وللبرامج الإذاعية روحها التي تكاد تُنسى.

حين تولّت إدارة البرامج في إذاعة لبنان، لم تكن مهمّتها سهلة. بين أرشيفٍ عتيق وشبابٍ يفتّش عن جديدٍ لا يشبه القديم، وقفت ريتا على الحدّ الفاصل بين الوفاء والتجديد. فجعلت من الموجة الرسمية مساحةً للحوار، منبرًا للفن والفكر والبيئة واللغة، ومدرسةً تُنصت أكثر ممّا تتكلّم.

في تكريماتها، لم يُحتفَ فقط بمنصبها، بل بتجربتها التي جمعت بين الأنثى القائدة، والمثقفة التي تعرف كيف تصون الكلمة، والإعلامية التي لا تساوم على المضمون. من عصبة السيدات في الجامعة الأميركية، إلى محافل وطنية ودولية، ظلّ اسمها مرادفًا للرصانة، والاحتراف، والوجه المُشرِق من صوت الدولة.

تؤمن ريتا بأن الثقافة لا تموت، وأن الصوت الصادق لا يشيخ. لذلك نراها في كل مناسبة تحتفي بالكلمة، تكرّم شاعرًا، تدعم كاتبًا، وتفتح هواء الإذاعة لمواهب تُشبه الوطن بفرادته وتعبه.

في حواراتها، تتحدّث عن المهنة وكأنها بيتها. تتذكّر خطواتها الأولى أمام الميكروفون، وكم كان الطريق طويلًا من وراء الستارة إلى دائرة القرار. تتحدّث عن المرأة التي تكافح لتُثبت ذاتها في مواقع الإدارة، لكنها لا تغفل عن دعم الجيل الجديد، وتدعو دومًا إلى أرشفة التجربة ونقلها بشغفٍ لا بغرور.

ريتا نجيم الرومي… ليست فقط مديرة برامج. هي حارسة الصوت الجميل، وناظمة النبض الثقافي عبر الأثير، وامرأة تمشي بثقة بين الأرشيف والمستقبل، حاملةً في قلبها شغفًا لم يخفت، وحلمًا لا يزال يُبثّ كل صباح.
الإعلامية مايا إبراهيم