​فخ الدبلوماسية.. هل تبتلع إيران طُعْم ترامب للمرة الثانية؟

​فخ الدبلوماسية.. هل تبتلع إيران طُعْم ترامب للمرة الثانية؟


​بقلم: عثمان الشويخ
​"الحروبُ دائماً ما تقوم على الخدعة والمكيدة وعنصر المفاجأة؛ فالمعركة التي يُحدد ميعادها وتُكشف أوراقها قبل أن تبدأ، هي معركة خاسرة بالضرورة. الخداع الاستراتيجي هو الفن والورقة الرابحة التي تجعل العدو يرى ما نريد نحن أن يراه، لا ما يحدث في الحقيقة.
​لقد نجح الجيش المصري في أكتوبر ١٩٧٣ في تنفيذ أكبر عملية خداع استراتيجي في التاريخ الحديث؛ حيث أوهمت القيادة المصرية العالم بأن مصر "جثة هامدة" لا تقوى على القتال، حتى سقطت أسطورة الجيش الذي لا يقهر في ٦ ساعات مباغتة.
​واليوم، نجد المشهد يتكرر بذكاء حاد في الصراع الإيراني الأمريكي؛ فمنذ وقت قريب جداً، وفي حربٍ لم تدم سوى ١٢ يوماً في يونيو ٢٠٢٥، استُخدم عنصر المفاجأة ضد إيران بتحريض مباشر وضغط من إسرائيل، وتحت ستار "المفاوضات السياسية" التي كان يقودها الرئيس ترامب. وبينما كان العالم ينتظر حلولاً دبلوماسية، كان الواقع خداعاً استراتيجياً أدى لضربة عسكرية قوية ومباغتة من داخل إيران وخارجها، قتلت فيها إسرائيل عدداً كبيراً من أعلى القيادات في الحرس الثوري ونخبة من العلماء الإيرانيين، خاصة في المجال النووي. ورغم محاولات إيران للتماسك، إلا أن الجرح كان عميقاً وغادراً.
​والآن، ومع استمرار الحشد العسكري الأمريكي على الحدود الإيرانية في مطلع عام 2026، يبرز السؤال الجوهري: إذا كنتُ أنا كمواطن عادي أتابع الأخبار وأعرف ميعاد الضربة المتوقع، فأين هو الخداع الاستراتيجي؟ إن القيمة الحقيقية للخديعة تكمن في المسافة بين ما يُقال وما يُفعل.
​ترامب يراوح اليوم بين لغة الحوار والتهديد؛ يقول لـ "فوكس نيوز" إن الإيرانيين يتحدثون إلينا، بينما تبقى طائراته في وضع الاستعداد. وفي المقابل، ترفع إيران رهان الردع؛ يتحدث علي لاريجاني عن بناء "هيكل للمفاوضات"، بينما تنطلق المناورات البحرية مع الصين وروسيا، ويحذر قائد الجيش من مغبة أي تحرك، ملوحاً بورقة مضيق هرمز.
​هنا نصل إلى لحظة الترقب: يا تُرى مَن سَيخدع الآخر؟ ترامب يقول مفاوضات وإيران تقول مفاوضات، لكن الحقيقة أن كل طرف يعمل وفق خطط سرية لا تُكشف إلا مع أول طلقة. فإذا عرف الجميع ميعاد الحرب، انتفى عنصر المفاجأة وضاعت قيمة الخديعة.
​وللخداع الاستراتيجي أساس ديني عميق نستحضره من سيرة النبي ﷺ في غزوة بدر الكبرى؛ حين سأله الصحابي الجليل الحباب بن المنذر رضي الله عنه بذكاء وعمق: «يا رسول الله، أمنزلاً أنزلكه الله ليس لنا أن نتعداه، ولا نقصر عنه، أم هو الرأي والحرب والمكيدة؟»، فقال النبي ﷺ: «بل هو الرأي والحرب والمكيدة». حيث أشار الحباب على النبي ﷺ بتغيير مكان المعسكر ليسبقوا المشركين إلى ماء بدر، وهو ما غيّر موازين المعركة ميدانياً. هذا الموقف النبوي يؤصل لفكرة أن الحرب اجتهاد وتخطيط وذكاء في الإيقاع بالعدو.
​ولكن، وبالرغم من دهاء مسرح العمليات الذي يديره ترامب، فإنني أرى أن المؤمن لا يلدغ من جحر مرتين. إن إيران التي تجرعت مرارة المفاجأة في يونيو الماضي، لا يمكن أن تقع في الفخ ذاته وبنفس السيناريو مرة أخرى. فالمكيدة التي نجحت بالأمس أصبحت اليوم ورقة مكشوفة، ومن غير المنطقي أن يُعاد استنساخ الخديعة ذاتها مع خصمٍ بات يتحسس مواضع خطاه بعناية فائقة.
​إن من يملك القدرة على إخفاء نواياه وسط ضجيج "المفاوضات" المزعومة، هو من يملك القدرة على حسم معركته قبل أن تبدأ، والأيام القادمة ستكشف ما إذا كانت طهران قد استوعبت الدرس، أم أن التاريخ سيعيد نفسه بصورة أكثر قسوة."