حكايات الشويخ - الحكاية السابعة عشر: "سلمان الفارسي.. الباحث عن الحقيقة ومنّا أهل البيت"
القسم الثاني: نجوم في سماء الصحابة
بجريدة الأنباء الدولية
بقلم: عثمان الشويخ
يا أهلاً بيكم في الحكاية السابعة عشر من حكايات الشويخ. منازلنا في هذه السلسلة من حكايات الشويخ نسلط الضوء على عظماء ونجوم في سماء الصحابة رضوان الله عليهم
حكاية اليوم عن رجل استثنائي، رحلته لم تكن مجرد سفر بين بلاد، بل كانت سفر من "الظلمات إلى النور".
بطلنا النهاردة هو الصحابي الجليل ط"سلمان الفارسي"، اللي ساب قصور فارس وعزها وعاش "عبد" مبيملكش لقمة يومه، كل ده عشان يدور على حاجة واحدة بس: "الحقيقة".
إحنا بنحكي عن "سلمان الخير"، اللي النبي صلى الله عليه وسلم كرمه بأعظم وسام في التاريخ لما قال: "سلمانُ منّا أهلَ البيت".
روزبه.. من نار المجوس إلى نور الحق
سيدنا سلمان مكنش اسمه سلمان في البداية، كان اسمه "روزبه"، مولود في بلاد فارس و ذكرت المصادر أن اسم والده «خشفوذان»، وكان مجوسياً.
"دهقان" (صاحب أرض وعز أي حاكم قرية جي في أصفهان).
والده كان بيحبه حب شديد لدرجة إنه حبسه في البيت عشان يحافظ عليه، وخلاه "خادم النار" اللي بيقدسها المجوس. لكن قلب "روزبه" مكنش راضي، كان حاسس إن في "إله" أعظم من نار بتنطفي وتولع.
خرج ذات مرة وشاف كنيسة، فدخل وسأل عن دينهم، ومن هنا بدأت الرحلة. ساب أبوه وعزه وهرب مع قافلة للشام، وفضل ينتقل من عالم لعالم، ومن راهب لراهب في الموصل ونصيبين وعمورية، وكل واحد فيهم قبل ما يموت كان بيسلمه للي بعده، لحد ما آخر واحد فيهم قاله: "يا بني، لقد أظل زمان نبي يُبعث بدين إبراهيم، يخرج بأرض العرب، يهاجر إلى أرض بين حرتين بينهما نخل".
سلمان مكنش بياخد قشور العلم، ده "عاصر" الحضارات؛ نشأ في فارس مهد الحكمة، وانتقل لبلاد الروم مهد الفلسفة والعلوم، ولازم القساوسة ودرس علومهم وآدابهم، لحد ما بقى "وعاء للعلم". وعشان كدة سيدنا علي بن أبي طالب رضي الله عنه لما اتسأل عنه قال:
"ذاك امرؤ منا أهل البيت، مَن لكم بمثل لقمان الحكيم؟ علمَ العلمَ الأول، والعلمَ الآخر، وقرأ الكتاب الأول والكتاب الآخر، وكان بحراً لا ينزف".
عشان يوصل لأرض العرب، اتفق سلمان مع تجار من "بني كلب" يشيلوه معاهم مقابل كل اللي يملكه.
لكنهم غدروا بيه وبعوه كعبد ليهودي في "وادي القرى"، وبعدين اشتراه يهودي تاني من "بني قريظة" وخده معاه لـ "يثرب".
أول ما شاف النخل والحرّة، قلبه دق وقال: "هي دي البلد اللي وصفها الراهب".
لحظة اللقاء مع النبي و العلامات الثلاث
سلمان فضل مستني، ولما هاجر النبي صلى الله عليه وسلم للمدينة، راح يختبر العلامات اللي قاله عليها الراهب:
لا يأكل الصدقة: قدم له تمر وقاله دي صدقة، النبي صلى الله عليه وسلم عزم أصحابه ومأكلش منها. (سلمان قال: دي واحدة).
يقبل الهدية: راح له تاني يوم بتمر وقاله دي هدية، فأكل منها النبي صلى الله عليه وسلم. (سلمان قال: دي تانية).
خاتم النبوة: في جنازة في البقيع، سلمان حاول يشوف ظهر النبي، فالنبي صلى الله عليه وسلم فهم غرضه وألقى رداءه، فشاف سلمان "خاتم النبوة" بين كتفيه.
هنا سلمان انكب عليه يقبله ويبكي، وأعلن إسلامه فوراً. والنبي صلى الله عليه وسلم ساعده يكاتب سيده اليهودي عشان يشتري حريته ويتحرر من الرق.
ومن مواقف سلمان اللي بتعلمنا الأدب والحياء، إنه لما اتجوز، صحابه دخلوا عليه تاني يوم وسألوه: "كيف وجدت أهلك؟" (يقصدون زوجته)، فسكت وأعرض عنهم، فكرروا السؤال ثلاث مرات وهو ساكت، وفي الآخر قالهم جملة تتكتب بماء الذهب: "إنما جعل الله الستور والخدور والأبواب لتواري ما فيها، حسب امرئ منكم أن يسأل عما ظهر له، فأما ما غاب عنه فلا يسألن عنه".
سلمان منا أهل البيت.. صاحب فكرة الخندق
سلمان مكنش مجرد صحابي، ده كان "عقل استراتيجي" وفارس ميدان شهد مع النبي صلى الله عليه وسلم كل المشاهد بعد إسلامه بداية من غزوة الخندق .
في غزوة الأحزاب، لما العرب كلهم اتجمعوا عشان يمحوا المدينة، سلمان قدم فكرة مكنش العرب يعرفوها قبل كدة، قاله: "يا رسول الله، إنا كنا بأرض فارس إذا حوصرنا خندقنا علينا".
وبالفعل، فكرة "الخندق" كانت هي السبب في حماية المدينة وكسر شوكة الأحزاب. ويومها حصلت "منافسة جميلة" في حبه؛ المهاجرين قالوا: "سلمان منا"، والأنصار قالوا: "سلمان منا"، فتدخل النبي صلى الله عليه وسلم وحسمها بالشرف العظيم وقاله: "سلمانُ منا أهل البيت".
الجملة دي رفعت سلمان لمقام آل البيت تشريفاً لعلمه وولائه للدين لا بالقرابة والنسب كما ورد في الصحيحين
الوالي الزاهد.. وأمير المدائن
مكانة سلمان العلمية والقيادية خلت سيدنا عمر بن الخطاب يعينه "والياً على المدائن" في عهد خلافته بطلب ورضا من الإمام علي بن أبي طالب.
وبالرغم من إن المدائن كانت عاصمة الأكاسرة وفيها قصور خيالية، إلا إن سلمان رفض يسكن في القصور، وكان بيدير شؤون الناس من "دكان" بسيط في السوق
وعن تواضعه في الولاية تُحكى هذه القصة الخالدة:
دخل رجلٌ عربيٌّ من بني عبس سوقَ المدائن، عاصمةَ الأكاسرة التي دانت للمسلمين حديثًا. وكان السوق يعجّ بالناس، اشترى الرجل ما شاء الله له أن يشتري، ثم التمس حمّالًا يحمل عنه أثقاله. فوقع بصره على رجلٍ بسيط الهيئة، قائمٍ في طرف السوق، فظنه حمّالًا أو محتاجًا، فناداه قائلًا في بساطة: "احمل لي، رحمك الله".
فأقبل الرجل، وحمل المتاع على كتفه، وسار بجانبه في هدوء. لكن العجب بدأ منذ اللحظة الأولى؛ فما إن مرّا على جماعة من أهل المدائن حتى بادروا "الحمّال" بالسلام: "السلام عليك يا أبا عبد الله!.
وكان في أصواتهم من التوقير ما لا يكون لرجلٍ من السوق. تعجب العبسي وتوقف برهة متسائل: من هذا الذي ينحني له الناس احترامًا؟
ومضيا قليلًا، فإذا بآخرين يسلّمون عليه بالطريقة نفسها، بل بأشدّ تعظيم. عندها لم يستطع الرجل العبسي كتمان دهشته، فالتفت إلى "الحمّال" وقال: "من أنت، يرحمك الله؟". فاكتفى الرجل بإجابة قصيرة ممزوجة بالتواضع: "أنا عبدٌ من عباد الله".
لكن العبسي لم يقتنع، فحين مرّا على جماعة ثالثة بادروا يقولون: "السلام عليك يا أبا عبد الله".
أمسك العبسي بأحدهم وسأله في حيرة ودهشة: "مَن هذا؟". فنظر إليه الرجل وكأنه يستغرب جهله، وقال: "هذا أبو عبد الله سلمان الفارسي، صاحبُ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم، وأميرُ المدائن.
كادت قدما العبسي تتعثّران من الحياء. شعر أن الأرض ضاقت به، وقال لسلمان بصوتٍ مرتجف: "يرحمك الله لم أعرف ادفع إليّ أغراضي، أنا أحملها".
لكن سلمان الذي كان واليًا على بلاد فارس وأميرًا لعاصمتها هزّ رأسه وقال: "لا والله، حتى أبلغك منزلك".
وهكذا سار أمير المدائن يحمل متاع الناس ويتواضع لهم ولا يمتاز عنهم، ذلك لأن سلمان الفارسي كان ابنَ الإسلام، هكذا كان صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم.
لو كان الإيمان بالثريا.. وتوثيق السيرة
النبي صلى الله عليه وسلم لم يترك سلمان وقومه من غير شهادة للتاريخ، لما نزلت الآية {وَإِن تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ}، الصحابة سألوا: "مين دول يا رسول الله؟"، فضرب النبي صلى الله عليه وسلم على فخذ سلمان وقال: "هذا وأصحابه.. والذي نفسي بيده لو كان الإيمان منوطاً بالثريا لناله رجال من هؤلاء". والمقصود بالثريا مجموعة من النجوم البعيدة في السماء
وعشان نعرف قيمة علمه، سلمان رضي الله عنه روى عن النبي صلى الله عليه وسلم مباشرة (تلقياً)، وأحاديثه موجودة في أصح الكتب؛ أخرج له البخاري 4 أحاديث، ومسلم 3 أحاديث، وأورد له بقي بن مخلد في مسنده 60 حديثاً، لتظل سيرته وقصة إسلامه الشهيرة مرجعاً لكل باحث عن الحقيقة.
الخاتمة والرسالة
سيدنا سلمان الفارسي بيعلمنا إن "البحث عن الحق" هو أسمى رحلة ممكن الإنسان يخوضها. ساب القصور وعاش عبد، وبعدين بقى والي ومع ذلك عاش بقلب "زاهد".
رسالة سلمان لينا: "لا يغرك أصلك ولا فصلك، إسلامك وعملك هما اللي بيعملوا قيمتك".
مات سلمان وهو لا يملك من الدنيا غير مرقعة وإبريق، لكنه ترك وراه تاريخ بيهز الجبال.
لقد بذلت قصارى جهدي في جمع المعلومات وترتيبها والبحث عن الصحابة العظماء الذين يجهل سيرتهم للأسف الكثير منا، فإن كان من صواب فمن الله وإن كان من خطأ أو سهو أو نسيان فمني ومن الشيطان والله ورسوله بريئان منه.
رمضان مبارك عليكم، واستنونا في الحكاية الجاية من حكايات الشويخ.





