​حكايات الشويخ - الحكاية الثانية والعشرون: "العز بن عبد السلام.. سلطان العلماء الذي لم يحنِ جبهته"

​حكايات الشويخ - الحكاية الثانية والعشرون: "العز بن عبد السلام.. سلطان العلماء الذي لم يحنِ جبهته"

​القسم الثالث: عظماء في التاريخ الإسلامي
​بجريدة الأنباء الدولية
​بقلم: عثمان الشويخ

​أهلاً بكم في الحكاية الثانية والعشرين من حكايات الشويخ. اليوم نستكمل رحلتنا في القسم الثالث، لنستحضر سيرة رجل لم يضرب بالسيف في الميدان فحسب، بل ضرب بالحق فوق رؤوس الملوك والجبابرة. 
إننا نتحدث عن "سلطان العلماء" وبائع الملوك، العز بن عبد السلام.
​لماذا اخترنا "العز" في هذا التوقيت؟
 لأننا نعيش زمناً نرى فيه محاولات مستميتة لـ "تزييف الوعي"، واعتداءات صهيو-أمريكية تسعى لتفكيك المنطقة وفرض مشروعات استعمارية كـ "إسرائيل الكبرى".

 لقد واجه العز بن عبد السلام في عصره ما يشبه هذا تماماً؛ واجه حكاماً هادنوا المحتل الصليبي وسلموه الحصون من أجل كراسيهم، فوقف لهم بالمرصاد ليعلمنا أن "وعي الشعوب" هو الصخرة التي تتحطم عليها كل المؤامرات.
​من هو العز؟..

​هو عبد العزيز بن عبد السلام السلمي، الملقب بـ "عز الدين" وأبو محمد. ولد في دمشق، والعجيب في سيرته أنه بدأ طلب العلم في سن متأخرة (بعد الثلاثين)، لكنه بصدقه وهمته أصبح إمام عصره ومجدده. 

لم يكن عالماً يكتفي بالكتب، بل كان صاحب موقف، وهو ما نؤكد عليه دائماً في "حكايات الشويخ"؛ أن العلم بلا موقف هو علم لا يبني أمة.

​في دمشق، قام "الصالح إسماعيل" بمهادنة الصليبيين وأعطاهم قلاعاً إسلامية، وسمح لهم بدخول المدينة لشراء السلاح لمقاتلة المسلمين في مصر هنا تجلى دور "حارس العقيدة والوعي"؛ فلم يصمت العز، بل أفتى بتحريم بيع السلاح للصليبيين وقطع الدعاء للحاكم في خطبة الجمعة.
 لم يبالِ بالسجن أو النفي، بل كان يرى أن "تزييف العقول" بشعارات السلام الزائف مع المحتل هو الخطر الأكبر على وجود الأمة.

​عندما انتقل العز إلى مصر، وجد أن الأمراء المماليك الذين يحكمون البلاد هم في الأصل "أرقاء" لم يثبت عتقهم شرعاً، فرفض اعتماد قراراتهم. وعندما حاولوا الضغط عليه، قرر الرحيل عن القاهرة ووضع أمتعته على حماره، فخرج الشعب خلفه آلاف مؤلفة في مشهد مهيب.

 هنا اضطر الأمراء للرضوخ، وعقد العز "مزاداً علنياً" لبيعهم وإيداع ثمنهم في بيت مال المسلمين قبل عتقهم. 
لم يكن هذا مجرد إجراء قانوني، بل كان درساً في أن "الشرعية" لا تُنتزع بالتزييف، وأن القوة الحقيقية تنبع من العدل والمصارحة مع الشعوب.

​"واإسلاماه".. الروح التي صنعت نصر عين جالوت

​عندما داهم خطر التتار المنطقة، أراد الحكام فرض ضرائب على الشعب لتجهيز الجيش. هنا وقف العز بن عبد السلام موقفاً تاريخياً؛ حيث أفتى بأنه "لا يجوز أخذ قرش واحد من الرعية إلا بعد أن يخرج الأمراء والوزراء كل ما يملكون من ذهب وجواهر وأموال، ويتساووا مع عامة الشعب في المعيشة".

​هذا العدل الاجتماعي هو الذي خلق "الالتحام الشعبي" العظيم، وهو الذي جعل صرخة السلطان قطز "واإسلاماه" في معركة "عين جالوت" تجد صدىً في قلوب الجنود.

 فالسلطان قطز كان يقاتل بالسيف في الميدان، ولكن العز بن عبد السلام كان هو "الملهم الروحي" الذي بنى له الجبهة الداخلية القوية وحصن وعي الناس بالحق والعدل، حتى تحقق النصر الذي حطم أسطورة الجيش الذي لا يُقهر.

​الخاتمة والرسالة
​العز بن عبد السلام يعلمنا اليوم أن العدوان الخارجي، مهما كانت قوته، لا ينجح إلا إذا وجد ثغرات في الداخل؛ خيانةً كانت أو تزييفاً للوعي.

 رسالة العز لكل شاب: "لا تترك عقلك نهباً للمشاريع التي تزيف تاريخك. كن صاحب وعي، واعلم أن العالم الحقيقي هو الذي يحمي هوية أمته من الذوبان أمام المشروعات الصهيو-أمريكية".

إن هدفي من سرد هذه الحكايات هو أن يتعرف أولادنا وبناتنا على رموزهم العظيمة، فمن الضروري أن نزرع فيهم أن من ليس له ماضي، فليس له حاضر ولا مستقبل.

 وما فعلناه هنا هو محاولة بسيطة لرد الاعتبار لشخصيات أثرت في تاريخنا ويجهلها الكثير منا، لعلنا نستلهم منها القوة لمواجهة تحدياتنا الحاضرة.

​رمضان مبارك عليكم، وانتظرونا في الحكاية القادمة من حكايات الشويخ.