مايا إبراهيم تكتب : محمد زياد… حين يتكلّم الكمان
هناك من يعزف الكمان، وهناك من يحوّله إلى امتداد لقلبه. محمد زياد من الفئة الثانية، تلك القليلة التي لا ترى في الكمان آلة وترية فحسب، بل كائنًا حيًا يُغنّي من الداخل.
من بلدة حصروت الوادعة في قلب الشوف، خرج شاب اسمه الحقيقي محمد زياد الجعيد، لكن الموسيقى اختصرته باسمٍ واحدٍ عالقٍ في الذاكرة: محمد زياد. لم يحتج إلى ألقاب أو تنميقات، فالنغمة كانت كفيلة بتعريفه، والقوس الذي يمسكه كان كافيًا ليبوح عنه.
منذ اللحظة الأولى التي يضع فيها قوسه على الأوتار، يُدرك السامع أنه أمام تجربة مختلفة، عزفٌ لا يُترجم إلى نغم فقط، بل إلى حالة. الكمان في يد محمد زياد لا يُصدر صوتًا، بل يُطلق شعورًا. فيه حنينٌ شفيف، وشغفٌ خجول، وومضة فرح تمرّ من بين النغمات كنسمة تُلامس وجه من غابت عنه الذاكرة.
ليس عازفًا تقليديًا يستعرض تقنيات مدرسية، بل فنانًا يُطوّع الكمان ليقول ما عجزت اللغة عن قوله. حين يعزف، يتوقّف الزمن لحظة، وتنساب المشاعر كما لو أن الموسيقى هي اللغة الأم لهذا الكوكب.
ما يُميّز محمد زياد ليس فقط إحساسه المرهف، بل تواضعه في حضرة الفن، وصدقه الكامل أمام كل نغمة. هو لا يُقدّم عزفًا مثاليًا مزيّنًا بالكليشيهات، بل عزفًا نقيًا يشبه لحظة حبّ أولى، أو دمعة نزلت من دون إذن.
ومن على مسارح صغيرة أو عبر مقاطع مصوّرة على وسائل التواصل، لا يهمّ أين يُعزف هذا الكمان، فحيث يكون محمد زياد، تكون المساحة مسرحًا مفتوحًا للدهشة.
في زمن يُنتج آلاف الأصوات كل يوم، قليلون هم من يتركون أثرًا. ومحمد زياد، بعزفه، لا يترك أثرًا فحسب… بل يترك صدىً طويلًا في الروح .
الإعلامية مايا إبراهيم





