مجدي يونس روائي مصري يسعي للعالمية  ذات تراث مصري 

مجدي يونس روائي مصري يسعي للعالمية  ذات تراث مصري 

    كتبت دينا يحيي

حدثنا عن بدايتك الأدبية، ومتى وكيف اكتشفت موهبتك الأدبية؟
البداية كانت مبكرة، بدأت شفهيا، وأنا في الصف الخامس الابتدائي كنت أجمع الأطفال في الحارة، وأحكي لهم قصصا خيالية ارتجاليا من وحي خيالي، وأنا في الصف الثاني الإعدادي وعمري اثنتا عشرة سنة بدأت أكتب تحريريا، بعد ذلك خصصت وقتا للقراءة وآخر للكتابة، كنت كل عام أكتب رواية أو مجموعة قصصية، ومازال بعض هذه الرويات عندي حبيسة الأدراج، ولما سافرت إلى الخارج للعمل لم أتوقف عن الكتابة، ولكن قلَّت كتاباتي، وعندما استقررت في مصر عزمت على نشر أعمالي، وبدأت النشر في عام 2019، نشرت في ذاك العام روايتين حياة الرماد ونبض الخائن ومجموعة قصصية، سر المذبوح.
البعض يتهم القصة القصيرة المصرية بأنها توقفت عند تجارب يوسف إدريس؟
هذا الاتهام ناجم عن جريمة أبشع، وهي قلة الاهتمام والعناية بالقصة القصيرة، أين القصة القصيرة من الكتابة؟! أين هي من الإعلام ومن الجوائز الأدبية؟! قليل مَن يهتم بها الآن، غالب الاهتمام منصب على الرواية ونقدها.
في مجموعتك القصصية سر المذبوح تنتهي بعضها بوعظ ورسائل صريحة، فهل ترى أن الكتابة الوعظية تصلح لهذة الأجيال؟
هذا في عدد قليل من القصص، وفي نهايات بعضها فقط كما ذكرت، والوعظ والرسائل الصريحة من الحياة والواقع، والأدب هو صورة من صور الحياة والواقع، فلا مانع من ذكر الوعظ بطريق مباشر في بعض الأحيان.
أعمالك الأدبية مخختلفة وفيها تنوع، روايات ومجموعة قصصية، والروايات متنوعة بين الرعب والرومانسي والاجتماعي والخيالي والواقعي وكتابة الفتيان، ماذا تسمي هذا ؟
التنوع سمة كونية، ومن لا ينوع يقتل نفسه، حصر الكاتب في نوع معين من الأدب من وجهة نظري قتل لموهبته، فالكاتب الذكي هو من يعرف من أين تؤكل الكتف، يكتب في جميع أنواع وموضوعات الأدب: قصص قصيرة، رويات متنوعة مزيج من الرعب والخيال والواقع والدراما والكوميدي والأطفال والفتيان والرومانسي والتاريخ والبوليسي والفانتازيا.
بمناسبة الحديث عن روايات الفتيان، أنت فزت بجائزة كبيرة جائزة كتارا للرواية عام 2021 عن فئة رواية الفتيان، حدثنا عن هذه التجربة، وماذا تمثل لك؟
الرواية كتبتها قديما، وأنا في الجامعة، وبقيت من ضمن الروايات الحبيسة في أدراجي، حتى اعتزمت الاشتراك في كتارا، فأخرجتها من محبسها، وراجعتها، وأضفت إليها، ثم توكلت على الله عز وجل، وقدمت بها في جائزة كتارا، لا أستطيع أن أصف لك مدى فرحتي وسعادتي، سجدت لله شكرا، وتهللت، وحمدت الله كثيرا، هذه الجائزة أعادتني مرة أخرى إلى الأدب، لأني عشت فترة عصيبة قبلها في صيف 2021 في أجواء كورونا، ورأيت الوضع الأدبي العام غير مبشر، فقررت اعتزال الكتابة لفترة، ولكن لما رزقني الله بتلك الجائزة شعرت أنها رسالة من الله لي أن اثبت واستمر في  كتاباتك، وقد كان.
هل أثرت الجوائز الأدبية على الحياة الثقافية، فأصبح الكاتب يكتب وفي عقله الجائزة؟
لا، لم تفسد الحياة الثقافية، بل بالعكس الجوائز أمدت الحياة الثقافية عموما والأدبية خصوصا بروافد للبقاء والاستمرار إلى ما شاء الله، وأصبحت الحافز والمشجع للكاتب، بل تعتبر هي العائد المادي الوحيد الآن للكاتب الحائز عليها في ظل عدم استفادة الجمع الغفير من الكتاب من الكتابة، وفوق ذلك العائد المعنوي، فمن يكتب وعيناه على الجائزة بالطبع سيكتب عملا يرتقي إلى مصاف الأعمال المهمة الحائزة على جوائز، فلن يكتب عملا مهلهلا ركيكا؛ لأنه ليس أي رواية تفوز بجائزة، وأيضا الجوائز أعطت آمالا، وفتحت أبواب التفاؤل لكثير من الكتاب.
من هو جمهورك الذي تستهدفه بكتاباتك؟
الجمهور الذي أستهدفه هو كل مثقف واعٍ سواء كان كبيرا أو صغيرا، فقد كتبت للكبار حياة الرماد، سارق الموتى واللعنات السبع، المسوخ هرج ومرج وكبت جسدي، سر المذبوح، وكتبت للفتيان الناشئة رواية "الهاربون والمجتمع الأخضر"
كيف تلبسون الرواية هويتها المصرية؟
الرواية ترتدي هويتها المصرية بعادات المصريين وتقاليدهم وهمومهم في الحياة، وظروفهم الحياتية ومناقشة مشكلاتهم، ووصف جغرافيتها من حارات وشوارع ومناطق مختلفة ريفية ساحلية صعيدية مدنية صحراوية، وتأثير هذه المناطق على طباع وصفات وسلوكيات المصريين.
ـ حدثنا عن رواية "الهاربون والمجتمع الأخضر"
الرواية تدور في فلك البحث عن الأفضل والملائم لكل مخلوق بما يناسب قدراته ومهاراته وإمكاناته بما يحقق النفع له ولغيره من الكائنات في مجتمع يسوده الحب والنماء والرخاء والسلام والمساواة والتعاون، مجتمع أقرب إلى المثالية يبنى بالعلم والدين والقيم والمثل والأخلاق وأيضا بالمال والموارد والثروات كما قال أحمد شوقي:
بالعلم والمال يبني الناس مجدهم          لم يبن مجد عل جهل وإقلالِ
هذا المجتمع يسعى زمرة أصدقاء من البشر والحيوانات لإنشائه بعد التمرد على واقعهم والهروب منه، لأنه لا يناسبهم في ظنهم. تواجههم عقبات وعثرات كثيرة أثناء الهروب يتغلبون عليها بصعوبة. تقابلهم صعوبات أخرى بعد الهروب تتمثل في وسائل بناء هذا المجتمع، والأشياء التي يحتاجونها لبنائه، والتي هي أساس بناء المجتمعات، فيتغلبون على هذه المشكلة عن طريق رجل مسن يعرفه أحد الهاربين مسبقا يعرض عليه الأمر فيوافق، وينضم إليهم، ويمدهم بما يحتاجونه، ويتهيأ الأصدقاء، ويجهزون أنفسهم وكل شيء من أجل إنشاء مجتمعهم في مكان آخر غير الأماكن التي كانوا يعيشون فيها.
الرواية تخاطب الفئة العمرية من 12 حتى 20 سنة في جو من الإثارة والتشويق بلغة تجمع بين الجزالة والرصانة وبين السلاسة والعذوبة. يقل الوصف في الرواية، فتجد نفسك تدخل في الأحداث مباشرة من أول سطر، وتنتقل من زمن إلى زمن ومن مكان إلى مكان دون أن تشعر، وهي من الروايات التي تصلح لكل مكان وزمان.
هل هناك فارق بين الكتابة للكبار وأدب الأطفال والناشئة؟
نعم هناك فوارق، والفوارق هذه تتضح إذا عرفنا الفرق بين مراحل نمو الإنسان، وهذا يعرفه من قرأ أو درس علم نفس، ولاسيما علم نفس النمو، فهناك طفولة مبكرة لها خصائص ومزايا، وهناك طفولة متأخرة كذلك، وهناك مراهقة ، وشباب،  وكهولة، وشيخوخة، ولكل مرحلة خصائص وصفات جسمية وعقلية ونفسية ولغوية وغير ذلك. معرفة هذه الخصائص هي التي تساعد الكاتب على تحري الدقة في انتقاء ألفاظه وأفكاره المناسبة لكل مرحلة.
فما يصلح أن أخاطب به الكبار لن يصلح للصغار والعكس، ثم الصغار هناك أطفال مثلا من سن أربع إلى سبع سنوات لن يناسبهم ما أخاطب به طفل في نهاية الطفولة المتأخرة وبداية المراهقة. والخلط بين هذه الأشياء هو الذي يعكر على الكاتب صفو كتابته.
من رواياتك رواية أسرار التربي، وسارق الموتى واللعنات السبع، والمجموعة القصصية سر المذبوح، نلمح من هذه العناوين شغفك بالواقعية السحرية....
هذا صحيح، عالم الغرائب والعجائب، أو ما يسمى بالواقعية السحرية عالم له مذاق  خاص، وكل من ولجه وسار فيه وتأثر به تطور أداؤه وأسلوبه، ولكن المهم ألا تقلد تقليدا محضا، بل يجب على الكاتب أن يترك بصمته في هذا العالم، وهذا العالم الغرائبي والعجائبي هو من التراث الشعبي المتمثل في ألف ليلة وليلة، وأيضا في التراث الديني كحديث الهدهد مع سيدنا سليمان عليه السلام، والإتيان بعرش بقليس من سبأ في اليمن إلى فلسطين، وتسبيح الجبال والجمادات والطير وحديث النملة وغير ذلك.
أما بالنسبة إلى من أتبع فإني في البداية متأثر بما جاء في الدين الإسلامي، وأيضا متأثر بألف ليلة وليلة بدرجة تصل إلى الهوس بهذا الكتاب، أما بالنسبة للكتاب فإن ماركيث هو من تأثرت به كثيرا في هذا العالم.
من هم آباؤك الروحانيون في الكتابة؟
في البداية أحب أن أقول إن الكتابة لا تأتي من فراغ ولا من عدم، وكل كاتب له من تأثر به، وقدلهم في البداية، واصطبغ بصبغتهم سواء بطريق  مباشر أو غير  مباشر، ولكن الذكاء أن لا تبقى مقلدا لهم، فعند مرحلة معينة يجب أن تنفصل عنهم، ويبقى تأثيرهم عليك تأثيرا بعيدا أو بقصد الإعجاب لا بقصد التقليد الأعمى لكل ما يكتبونه، أما بالنسبة إلى من تأثرت بهم فهناك بعض الكتاب العرب في مقدمتهم نجيب محفوظ ويحيى حقي ويوسف إدريس والرافعي والمنفلوطي، أما بالنسبة لكتاب الغرب فهناك كثير ممن تأثرت بهم مثل تشارلز ديكنز، ديستوفسكي، تولتسوي،  تشيخوف، ماركيز، جوجول، شكسبير، ألكسندر دوما الأب والابن، ولكن كل هؤلاء في كفة، وتأثري بجيمس جويس في كفة أخرى، ولاسيما فيما يتعلق بعشقه للغة وتعمقه وتبحره فيها
ـ أنت قلت أن جيمس جويس في كفة، وكل من تأثرت بهم في كفة، حدثتنا عن تأثرك بجيمس جويس.
اللغة العربية بالنسبة لي حلم ومشروع وخطة بعيدة المدى، وهي أقصد اللغة تستحوذ على جزء كبير من قراءاتي اليومية، ولاسيما القراءة في المعاجم، وهذا ما اكتشفته أخيرا أن من الهوايات المفضلة لدى جيمس جويس هي القراة في المعاجم، فسعدت لأني تشابهت معه دن قصد في هذه النقطة، فاللغة لدي مشروع أدبي قائم بذاته تستطيع أن تقول هي بطلة أعمالي ، فإن لم تخرج من كتاباتي إلا ببعض المفردات اللغوية، أو التراكيب أو الأساليب فهذا يكفي، ونجاح كبير بالنسبة إلي، فأنا لا أكتب لأي أحد أنا أكتب لعشاق الأدب الحقيقيين، واللغة هي العنصر الوحيد الذي لم يتأثر بما يسمى بالحداثة أو ما بعد الحداثة، فالحداثة كسرت كل قيود الرواية الكلاسيكية باستثاء اللغة، لم تنتصر عليها؛ لأن محور الكتابة الأدبية هي اللغة، فإذا هدم هذا الركن فلن يكون هناك أدب، وأنا اللغة بالنسبة إلي انتقائية اصطفائية مثل الجواهرجي أظل أبحث عن الكلمة  المناسبة، وعندي وزن نسبي للكلمات، لا أكرر الكلمات كثيرا، أحب أن آتي بمفردة جديدة تؤدي المعنى بحيثية ما كما يقولون التأسيس خير من التأكيد، حتى لما كتبت رعب كتبته بلغتي، فاللغة لدي هي المشروع الذي أحلم بتحقيقه أن يطلع الناس على مفردات لغتنا الخصبة الكثيرة.
تكتب بلغة قوية، وتستخدم معاني ذات مدلولات قوية فهل تقصد بهذا استعراض ثقافتك ومخزونك اللغوي أم تريد أن تثري ثقافة القارئ ؟
بالطبع ليس استعراضا، وأنا ضد هذه الكلمة نهائيا؛ لأنه في النهاية الكاتب يكتب للصفوة المثقفين يعني مَن عندهم معرفة واطلاع وثقافة ودراية إلى حد ما باللغة وأساليبها، ثم هذه الكلمات أنا لم أخترعها من عندي، هي موجودة في كتب اللغة والمعاجم، وأنا فقط أنفض عنها الغبار، وأجلِّيها للقارئ؛ كي تزيد ثقافته، ويحدث عنده إثراء لغوي، ويكتسب قاموسه اللغوي مفردات جديدة على سمعه ونظره. اللغة العربية بحر سحيق رحيب، وتمتاز بكثرة المترادفات للكلمة الواحدة، فلماذا أستعمل مثلا كلمة "نظر" للتعبير عن الرؤية مع أن في اللغة أكثر من عشرين مرادفة لذلك وليست كلمات وعرة وإنما سلسة.  وغيرها وغيرها من المفردات. ثم أنا أيضا ضد الأكليشهات الروائية إن صح التعبير، فما هو الجديد الذي يقدمه الكاتب إذا كانت ألفاظه وتعابيره نطالعها في كل أو أغلب الروايات؟!
حدثناعن كل عمل من أعمالك كما تحب أن تصفه للقارئ.
- أولى رواياتي حياة الرماد وهي من روايات السير الذاتية الخيالية، وتعد من أقرب الأعمال إلى قلبي.
- سر المذبوح مجموعة قصصية تشتمل على ست عشرة قصة بين القصيرة والمتوسطة والطويلة بين الرومانسية والاجتماعية والفلسفية والرعب والنفسية.
- نبض الخائن رواية اجتماعية سياسية تتحدث عن آخر فترات الملكية في مصر، وفيها كثير من الإسقاطات في العصر الحالي.
- سارق الموتى واللعنات السبع من أدب الرعب، ولكن رعب بطريقتي، اللغة والأسلوب فيها هي البطل الأساسي.
- المسوخ هرج ومرج وكبت جسدي من الروايات الاجتماعية التي فيها ملمح فلسفي على آخر نفسي على ثالث ديني، وهذه الرواية هي رهاني في الفترة المقبلة إن شاء الله .
- الهاربون والمجتمع الأخضر هي الرواية الفائزة في جائزة كتارا ٢٠٢١ فئة الفتيان، وهي من ضمن مشروعي الأدبي الأساسي الكتابة لجميع الأعمار والأجيال.
- ثم تحت النشر الجزء الأول من ثلاثية العالم الآخر ستصدر في معرض القاهرة للكتاب ٢٠٢٣ إن شاء الله .
ماذا تريد أن تقول لشباب الكتاب أو من هو مقدم على الكتابة ؟
نصائحي دائما للكتاب عموما وللشباب خصوصا وهذا أسأل عنه كثيرا على وسائل التواصل، يتمثل في أمر واحد، هذا الأمر ينضوي تحته أشياء كثيرة جدا، وهذا الأمر هو الإخلاص، والإخلاص هو سر وسبب نجاح أي عمل في الدنيا؛ لأن الإنسان عندما يخلص في عمله سيفعل أي شيء من أجل إتقان هذا العمل، وإتقان الكتابة لا يأتي من فراغ، لابد من وجود أرضية ثابتة للكاتب، وهذه الأرضية أسها الموهبة، ثم بعد ذلك تأتي القراءات والخبرات، وهذه نصيحتي للكتاب أن يكثروا من القراءة فيما يحبون. اقرأ ما تحب أن تقرأه، والأهم من القراءة تثوير القراءة بمعنى تأثيرها في الكاتب واستفادته منها فيما يكتبه، وعلى الكاتب أن يكون له شخصية مستقلة لا يقلد أحدا، يتأثر بغيره نعم لكنه لا يقلده تقليدا أعمى، وعليه أن يبدع في اختيار الفكرة، ويبدع في تناولها، وأيضا وهو شيء مهم جدا البحث، عليه بعد أن يحدد الفكرة أن يبحث جيدا عما سيكتب، وأن يتعب في البحث والكتابة والمراجعة، وهي من أهم الأشياء، فكثرة المراجعة تقلل عدد الأخطاء...
الخلاصة على الكاتب أن يحب الكتابة والقراءة وكل شيء متعلق بهما، فأحبب الكتابة والقراءة تحبك، وتعطيك بإذن الله فوق ما تريد منها، وأقبل عليها تقبل عليك.