مايا إبراهيم تكتب : وفاء شدياق… سيّدة الأثير وصوت الذاكرة الراقية

مايا إبراهيم تكتب : وفاء شدياق… سيّدة الأثير وصوت الذاكرة الراقية

في زحام الموجات وتزاحم الأصوات، يبقى لصوتٍ واحدٍ قدرةٌ على شقّ طريقه نحو القلب دون ضجيج. صوتٌ يحمل في نبرته الدفء، وفي مضمونه الثقافة، وفي حضوره وفاءً نادرًا لجماليات المهنة. إنها وفاء شدياق، الإعلامية التي لا تُشبه إلا نفسها، والتي استطاعت أن تُطوّق المذياع بكلماتها كما تُطوّق القصيدة قلب شاعرها.

لم تكن وفاء مجرّد مذيعة، بل سيدة أثير تعرف متى تصمت ليعلو صوت الضيف، ومتى تسأل فتمنح الحوار نكهة من عمق وتجربة. في برنامجها “نجوم الضهر”، تعبر بنا إلى ضفاف الذاكرة، تستحضر لحظات مجد وألم ودهشة من مسيرة فنانين ومثقفين، فتمسك بخيط الضوء في أرواحهم، وتنسج به مساحة من الاحترام والدفء.

لبنان الحرّ، الذي احتضن صوتها منذ سنوات، ليس مجرد إذاعة، بل منبر تحوّل بفضلها إلى فسحة للثقافة والفنّ والضمير الإنساني. تنحاز وفاء دومًا للجمال، لكنها لا تتغاضى عن الحقيقة. تطرح الأسئلة بجرأة المحبة، وتُصغي كما لو أنّ الإصغاء صلاةٌ لا كلام بعدها. وعندما تتكلم، تفيض حروفها بنُبل لا يُصطنع، ورصانة لا تُثقل.

هي أيضًا حاضرة في المشهد الإعلا??ي البصري من خلال برنامجها “بلا جمرك”، الذي يعكس قدرتها على مقاربة الشأن الفني من زوايا نقدية وإنسانية، دون أن تقع في فخ الابتذال أو المبالغة. بشفافيتها وعمقها، تتقدّم بخطى ثابتة في ساحة تتبدّل وجوهها كثيرًا، لكنها تبقى من القلائل الذين يظلون لأنهم صادقون.

ولأنّ الجوائز تختار أصحاب البصمات، كان حضورها في لجنة تحكيم “الموريكس دور” محط تقدير، لا بصفتها الحكم بل بصفتها العارفة، المُتابعة، والوفية لفنّ لا تسكنه إلا القلوب الكبيرة.

وفاء شدياق ليست فقط إعلامية؛ هي ذاكرة تكتبها الميكروفونات بنبرة فريدة، هي سيدة الأناقة الصوتية، والوجه الذي يشبه لبنان حين يكون راقيًا ونظيفًا وعاشقًا للفن. باقة من الياسمين تُقدَّم لها، على صوتٍ علّمنا أن الكلمة الطيبة ما تزال ممكنة، وأن الأثير مكانٌ يليق بالجمال حين تمرّ فيه امرأة تُدعى وفاء . 
الإعلامية مايا إبراهيم