مايا إبراهيم تكتب : هبة رشوان… صوت المصداقية وأناقة المهنة

مايا إبراهيم تكتب : هبة رشوان… صوت المصداقية وأناقة المهنة

بهدوء الواثقين وبصوتٍ يحمل نبرة الصدق، خطّت هبة رشوان مسيرتها الإعلامية على مدى عقود، متكئة على موهبة أصيلة، وثقافة رفيعة، وتربية تنتمي إلى بيتٍ يعشق الفن ويقدّس القيم. لم تكن فقط ابنة الفنان القدير رشوان توفيق، بل كانت مثالًا للإعلامية التي تعرف حدود مهنتها، وتؤمن بقوّة الكلمة وأخلاقيات الشاشة.

بدأت رحلتها الإعلامية من القناة الثالثة في التلفزيون المصري، قبل أن تنتقل إلى القناة الأولى والفضائية، لتصبح من أبرز وجوه الشاشة في زمنٍ كانت فيه الشاشة مرآة للرصانة والوعي. قدّمت برامج متنوعة الطابع والمضمون، جمعت فيها بين الحوارات السياسية والاجتماعية والثقافية، ما عدا البرامج الدينية والرياضية، احترامًا لخصوصيات تلك المجالات، ولإيمانها بالتخصص.

وقد كان للإعلامي الكبير مدحت زكي الدور الأبرز في صقل شخصيّتها الإعلامية، إذ كانت تدريباته صارمة، جادّة، ومبنيّة على أسس مهنية لا تقبل التهاون. لم يكن يعلّم فقط، بل كان يصنع إعلاميًّا من الداخل، يُعيد تشكيل الصوت، والنظرة، والحضور، والانضباط. على يديه تربّى جيلٌ كامل من المذيعين والمذيعات والمخرجين والمعدين، وكانت هبة واحدة من أبرز تلاميذه، الذين تعلّموا منه كيف تكون الشاشة مرآة للأمانة والمسؤولية.

وتعتبر هبة نفسها محظوظة أنّها تدرّبت أيضًا على أيدي نخبة من أعلام وروّاد الإعلام المصري، الذين تركوا بصمتهم في تكوينها، وشاركوها بداياتها أو دعموها في محطاتها. من هؤلاء:
سهير الإتربي، أحمد سمير، كاميليا الشنواني، سهير شلبي، منيرة كفافي، نانو حمدي… وغيرهم من الأساتذة الذين شرُفت بالعمل والظهور معهم، وتحت قيادتهم، والنهل من خبراتهم الثرية.

تميّزت هبة رشوان بأسلوبها الهادئ والراقي، وأدائها الطبيعي الذي لا يتكلف، فكانت قريبة من المشاهد، محاورة ذكية، قادرة على الإنصات، وطرح الأسئلة بجرأة مهنية دون استعراض. ومن خلال مسيرتها، نسجت علاقة ثقة متبادلة مع الجمهور، جعلت من حضورها على الشاشة امتدادًا للقيم والاحتراف.

ورغم اسمها العائلي الكبير، فإنها خاضت معركة إثبات الذات وحدها، لتكسر الصورة النمطية عن “أبناء الفنانين”، وتؤكد أن الحضور لا يُمنح بل يُصنع. رفض والدها بدايةً دخولها المجال الإعلامي، خشيةً من قسوته، لكنه لم يلبث أن آمن بقدرتها ووقف إلى جانبها، فكان سندًا وداعمًا.

نالت عن جدارة لقب أفضل مذيعة عربية لعام 2017–2018 من اتحاد الإعلاميين العرب، عبر استفتاء جماهيري واسع تخطّى ستة ملايين صوت، في شهادة محبّة من جمهور تابعها سنوات وآمن بخطابها الراقي.

وفي محطة شخصية عميقة، أعلنت في 18 سبتمبر 2024 قرارها ارتداء الحجاب، مؤكدةً أنه نابع من قناعة تامة، فحصدت موجات من التبريكات والدعم، من جمهورها ومحبّيها، في انعكاسٍ صادق لرحلة حبّ ومصداقية ربطت بينها وبين الناس.

بين المهنية والإنسانية، بين الموهبة والتواضع، وبين الاسم والإرث، تمشي هبة رشوان بخطى راسخة في درب الإعلام، صانعةً لذاتها سيرة تستحق أن تُروى، وكلّما سارت على درب الإعلام الراقي، والقيم المنضبطة، وأمانة الكلمة… كلّما بقيت أقرب إلى القلب.
الإعلامية مايا إبراهيم