مايا إبراهيم تكتب : ندى صليبا… الحارسة الهادئة لشاشة الوطن
في الزمن الذي باتت فيه النشرات الإخبارية منصّات للاستعراض، ظلّت ندى صليبا تمارس الإعلام كما يُفترض أن يكون: بوقار الحضور، وهدوء النبرة، ونُبل الكلمة.
لم تكن مذيعة أخبار وحسب، بل كانت روحًا تضبط إيقاع التلفزيون الرسمي بنَفَسٍ طويل، وعينٍ لا تنام على الخطأ.
على مدى أكثر من ثلاثين عامًا، صانت ندى صليبا صورتها وصوتها من التلوّث، وارتفعت عن الفوضى التي اجتاحت المشهد الإعلامي، فبقيت كما عرفها الجمهور: مهنية بامتياز، دقيقة في التفاصيل، لا تفصل بين الإلقاء والإحساس، ولا بين الحضور والانضباط.
كانت واحدة من قلائل يُشبههم التلفزيون… أولئك الذين لا يحتاجون لعدسات ملوّنة ولا لتأثيرات صوتية كي يُقنعوا. كلماتها كانت كافية. صدقها كان البرهان.
في موقعها كنائبة لمدير الأخبار، ومساعدة للمدير العام، اختبرت ندى صليبا صعوبة التوازن داخل مؤسسة تتقاطع فيها التوجهات والضغوط، لكنها بقيت على مسافة واحدة من الجميع، تختار الدقة قبل السرعة، والأمانة قبل الإثارة، والاحترام قبل أي مكسب عابر.
ولم يكن الحياد عندها موقفًا رماديًا، بل انحيازًا إلى الحقيقة وحدها. كانت تعرف أن الشاشة مرآة، وأن الناس يرون من خلالها لا ما يُقال فقط، بل كيف يُقال… وهنا كانت تفرُدها: في النزاهة غير المعلنة، في الهيبة غير المتصنّعة، وفي العفوية التي لا تُدرَّس في كليات الإعلام.
حتى في وداعها لزملائها، بدت ندى صليبا كما هي دائمًا: صادقة، راقية، لا ترفع صوتها، بل ترفع من مستوى الخطاب.
وعندما رحلت الإعلامية هدى شديد، سال حبر الوفاء من قلبها، وكتبت ندى بدمعةٍ صامتة وصدقٍ كبير عن سنوات العمل المشترك، لا كمن يرثي، بل كمن يحتضن ذكرى بجلالٍ ومحبة.
وما بين نشرة ونشرة، تواصل ندى صليبا بناء صورة أخرى… لامرأةٍ أحبّت مهنتها بصدق، وخدمت إعلام بلدها بصمت، وتستمر بهدوء، كما تفعل الحارسات الحقيقيات.
هي ندى صليبا… الوجه الذي حمل رسالة الإعلام النظيف بصدقٍ وأمانة، دون أن تغريه الأضواء، ودون أن تتبدّل ملامحه في زحمة العناوين.
تظل حاضرة على الشاشة، ثابتة كالمبدأ، ناعمة كالإيمان بالمهنة، تحمل مشعل المهنية وتضيء طريق الإعلام اللبناني بأناقة لا تغيب.
وكل من عرفها، أو مرّ من صوتها يومًا، يعلم أن حضورها لا يُقاس بالوقت، بل بالشعور الذي تتركه خلف الشاشة.
فهي ليست فقط حارسة للنشرة… بل حارسة لذاكرتنا الجماعيّة عن الإعلام حين كان يُحكى بصوت هادئ، وضمير حيّ.
الإعلامية مايا إبراهيم





