مايا إبراهيم تكتب : ماجدة داغر… تقيم في القصيدة وتُشعل الذاكرة
في زمنٍ تتكاثر فيه الكلمات وتضيع النوايا، تظهر ماجدة داغر كقصيدةٍ تمشي بثقة على قدمين. لا تكتب الشعر فحسب، بل تسكنه وتسقيه من حواسها الخمس، ثم تعيده إلينا ناضجًا، متوهّجًا، ومختلفًا.
ماجدة داغر ليست مجرد شاعرة. إنها مشروع ذاكرةٍ ثقافية متكامل، تنقّلت بين الإعلام المكتوب والمرئي والمسموع، لكنها اختارت عن وعيٍ أن تتنفّس بالشعر، وأن يكون المعنى هو رئتها الأعمق. في كل إطلالة، سواء عبر ديوان أو منبر إذاعي، ثمة حضور لا يشبه سواه: هادئ كالماء، حادّ كالإدراك، وعميق كالإيمان بما لا يُقال.
بدأت تجربتها في الشعر بموهبة صافية، ثم حوّلتها إلى مشروع أدبي ناضج، عبر دواوين مثل: “آية الحواس”، “جوازًا تقديره هو”، “ملتئمًا بالماء كغريق الطوفان”، و”الناجيات من جمع التكسير”، حيث أعادت من خلاله كتابة الألم الأنثوي من داخل منفى اللغة نفسها. في كل عمل، كانت تنقّب في الروح البشرية، في وجع المرأة، وفي هشاشة القلب حين يواجه الحقيقة.
شعرها لا يطرق أبواب الترف اللغوي، بل يشبه الحقيقة حين تمرّ قربك خفيفة، ثم تسكنك من حيث لا تدري. لا يُطربك فورًا، بل يوقظ فيك شيئًا خامدًا، كما تفعل الذكرى حين تأتي متأخرة. قصيدتها لا تُخاطب الجمهور العريض، بل أولئك الذين يعرفون أن الشعر ليس ترفًا، بل محاولة لفهم الحياة من زاوية أخرى: أكثر شفافية، وأقلّ ضجيجًا.
وإلى جانب الشعر، كانت داغر صوتًا إذاعيًا يختزن الثقافة والوفاء معًا. قدّمت برامج مثل “بيت الذاكرة” و*“الشرق اليوم”*، حيث نسجت من دور الصحفية والمثقفة والباحثة خيطًا يصل بين الذاكرة والمستقبل. لم تكن تستعيد القامات من باب الحنين، بل من باب الوفاء للمعنى، والإيمان بأن من يرحلون لا يُفترض أن تُنسى أصواتهم.
في حواراتها، لا تخجل ماجدة من قول ما تؤمن به. تراها تقول: “الحبّ وهمٌ جميل، والشعر هو الحقيقة الأجمل”، وتؤمن بأن وسائل التواصل لم تقتل الشعر، بل أخرجته من برجه العاجي إلى دهشة الحياة اليومية. إنها لا تعادي التغيير، بل تُعيد تأطيره على طريقتها.
كرّمتها جامعات ومهرجانات، واحتفى بها النقاد، لكن ما يميّزها حقًا أنها لم تسمح يومًا للضجيج أن يحدّد قيمتها. اختارت القلّة التي تُصغي على الكثرة التي تُصفّق، ووقفت دائمًا حيث يقف الشعر: في الجهة المضيئة من اللغة، وفي المساحة الأصدق من القلب.
ماجدة داغر، ببساطة، لا تكتب القصيدة وتغادرها.
إنها تُقيم فيها، تحفظ نبضها، وتصون دهشتها، كما تُصان الذكريات التي لا نجرؤ على نسيانها… لأنها ببساطة، جزء منّا، حتى وإن نسينا أن نقول ذلك.
الإعلامية مايا إبراهيم





