مايا إبراهيم تكتب : فريد وماهر الصبّاغ… صوت المسرح اللبناني المعاصر وعلَما الإبداع الذي لا يتوقّف
في عالم المسرح اللبناني، حيث تختلط أصوات الماضي بنبض الحاضر، يسطع اسم الأخوين فريد وماهر الصبّاغ كرمزين للإبداع والابتكار، وكصوتين فنيين لهما بصمة واضحة في مجال المسرح الغنائي الاستعراضي، الذي جمعا فيه بين الأداء الدرامي والموسيقى والرقص، وحوّلاه إلى تجربة متكاملة تأسر القلوب والعقول.
رحلة الأخوين الصبّاغ في عالم الفن
لم يكن فريد وماهر مجرّد شقيقين يتشاركان الاسم والدم، بل كانا روحًا واحدة تنبض بالشغف والإبداع المتعدّد المواهب. فهما معًا يمثلان ويكتبان ويخرجان، ويشاركان في صياغة كل تفصيلة صغيرة في عروضهما، من بناء الفكرة حتى لحظة انطفاء الضوء الأخير على الخشبة.
شكّلا ثنائيًا نادرًا يندر أن يتكرّر، ونجحا في تأسيس لغة مسرحية لبنانية فريدة تحمل هويتهما الخاصة وتُخاطب الجمهور بذكاءٍ وجمال، عبر مزيج متوازن من الفن والرسالة والاحتراف.
أعمال تروي قصص لبنان بعيون فنية
من أبرز عروضهما المسرحية:
• “تشي غيفارا”: باكورة تجربتهما المسرحية، عرّفت الجمهور على حسّهما الفني الملتزم، وطرحت مفاهيم الثورة والحرية من خلال مسرح غنائي حديث.
• “من أيام صلاح الدين”: عمل جمع بين التاريخ والحاضر، شارك فيه الفنان عاصي الحلاني، وقدّم في مهرجانات بعلبك، حيث التقت الموسيقى بالأداء الاستعراضي في لوحة مسرحية راقية.
• “الطائفة 19”: واحدة من أكثر مسرحياتهما جرأة وصدقًا، سلّطت الضوء على الانقسام الطائفي في لبنان، وطرحت بأسلوب راقٍ فكرة الانتماء إلى الوطن قبل الطائفة، عبر مسرحية شكّلت جسرًا بين مختلف المكوّنات اللبنانية.
• “حركة 6 أيار”: رصدت واقع الإعلام اللبناني وعلاقته بالحقيقة والضغوط، وقدّمت بأسلوب درامي معاصر بطولة يوسف الخال وكارين رميا.
• “مش بس عالميلاد”: أحدث أعمالهما المسرحية، جمع بين الرسالة الإنسانية والحبّ العميق للمسرح، وقد لاقى نجاحًا جماهيريًا كبيرًا في لبنان، وتألّق في عرضه في دار الأوبرا بدمشق، مؤكدًا أن المسرح لا حدود له حين يكون صادقًا وعميقًا.
تميّزٌ في التفاصيل وسعيٌ دائم للتجديد
ما يميّز تجربة الأخوين الصبّاغ هو شغفهما الكبير بكل تفصيلة مسرحية: فهما يكتبان، يُؤلّفان موسيقى، يُخرجان، يُمثّلان، ويشرفان على السينوغرافيا، لتصبح عروضهما تجارب حيّة مكتملة العناصر.
وهما لا يقدّمان مسرحًا للتسلية فحسب، بل مسرحًا للحوار، وللجمال البصري، ولقضايا المجتمع والإنسان. في أعمالهما، يلتقي النص العميق بالتقنية الراقية، وتصبح الخشبة مرآةً للواقع، بل وسيلةً لتغييره.
كما يحرصان على اكتشاف المواهب الجديدة، وإشراك ممثلين من مختلف الطوائف والخلفيات، تأكيدًا على أن المسرح فضاءٌ جامع، لا يُقصي ولا يفرّق.
علَما المسرح اللبناني الحديث
في زمن يتراجع فيه المسرح أمام سطوة الشاشات والمنصّات، يثبت فريد وماهر الصبّاغ أن الفن الحقيقي لا يموت، وأن المسرح لا يزال قادرًا على أن يكون نبض الناس، ومرآة المجتمع، ونافذة نحو الأمل.
هما علَما المسرح اللبناني بلا منازع، وثنائي التجربة الحيّة التي تكتب يومًا بعد يوم سطرًا جديدًا في تاريخ الخشبة، بالكلمة، والصوت، والصورة، والحلم.
الإعلامية مايا إبراهيم





