مايا إبراهيم تكتب :  فايز قزق… حين يكون المسرح وطنًا والفكر مسرحًا

مايا إبراهيم تكتب :  فايز قزق… حين يكون المسرح وطنًا والفكر مسرحًا

حين تتأمّل مسيرة فنان مثل فايز قزق، تُدرك أنّ بعض الحضور لا يُصنع في الكواليس ولا في بهرجة الشهرة، بل في العمق. في الالتزام بالمسرح كقضية، وبالفكر كضرورة. لا يحتاج فايز قزق إلى الأضواء ليلمع، فهو من أولئك الذين يصنعون النور لا يتبعونه، ومن الذين يشكّلون هوية الفن حين تغيب الهويّة.

فايز قزق ليس مجرد ممثل أو مخرج أو مدرّس. هو حالة فنيّة نادرة تُشبه النُّدرة في زمن التكرار، وتُشبه الصدق في زمن التمثيل المفرط خارج الخشبة. فنان من طينة المثقفين الذين لا يكتفون بالإجادة، بل يحملون المسرح والدراما في خلايا أرواحهم، ويكتبون حضورهم بلغة تختلف عن كل السائد.

تخرّج من المعهد العالي للفنون المسرحية بدمشق، وعاد إليه لاحقًا أستاذًا يُشكّل أجيالًا، لا مجرّد يُدرّسها. ما بين الدراسة في بريطانيا، والماجستير في الإخراج المسرحي، وما بين الرحلة الطويلة فوق الخشبة، تشكّلت هوية فايز قزق المتينة: ممثلٌ يعرف كيف يُنصت للنص، وكيف يُطوّع الجسد والفكر كي يولد المعنى من دون صراخ.

في المسرح، أخرج وأبدع في أعمال اعتُبرت لحظات تأسيس في المشهد السوري. مسرحيّاته ليست عروضًا بل طقوس وعي، وشخصيّاته ليست أداءً بل اختبارات وجود. لا يرضى بالحلول الوسط، لا في الفن ولا في الحياة، وهذا ما جعله أحد أهم رجالات المسرح السوري الحديث.

أما في التلفزيون، فقد عرفه الجمهور من خلال أدوار مركّبة وصعبة، كان آخرها ما قدّمه في رمضان الأخير ضمن مسلسل “تحت الأرض”، حيث أدّى شخصية تاجر تبغ في أواخر الحكم العثماني، بشحنة من العمق والدهشة قلّما اجتمعتا معًا. لا يختار الأدوار السهلة، بل يُغامر، يخلط الفكر بالموقف، ويصنع من الشخصية نصًا آخر.

صوته مزيج من تأمّل وقرار، ووجهه ساحة تعبيرٍ تنحتها التجربة. فايز قزق لا يمثل بل “يكون”. يعيش الشخصية لا ليؤديها، بل ليحملها كما يحمل أفكاره: بحذر، بشغف، وبمسؤولية. حتى الشر في أدواره لا يأتي صارخًا بل محمّلًا بالفلسفة.

بعيدًا عن الشهرة السريعة والأدوار الزائلة، اختار أن يكون في الصفوف التي تصنع الفرق لا الضجيج. يحمل همّ الفن، ويُدرّس التمثيل كما يُدرّس المعنى. لا يهادن، لا يُجامل، ولا يكرّر نفسه. حتى حين يتحدّث عن الموت، يفعل ذلك بلا خوف، كأنّه يقف على الخشبة الأخيرة، ويتلو تأمّله الأخير.

فايز قزق هو الفنان الذي علّمنا أن المسرح ليس خشبة، بل وطنٌ روحيّ نعيش فيه كلما ضاقت بنا الأوطان. هو الحضور الذي لا يُشبه أحدًا، والكلمة التي لا تُقال عبثًا، والصمت الذي يُربّي المعنى.

كل ما في تجربة هذا الفنان يشي بأنّ الفن ليس تسلية، بل فعل وجود. وأن المسرح حين يُلامس وجدان الناس، يصبح أعظم من مبنى، وأصدق من خطاب. وفايز قزق، في كل ما فعل ويفعل، هو توقيعٌ لا يُمحى على جدار المسرح العربي، وصوتُ فكرٍ لا يتنازل عن جوهره، ولو صمت.
الإعلامية مايا إبراهيم