مايا إبراهيم تكتب :  فؤاد كيالي… قلبٌ إذاعيّ نابض، وعقلٌ يكتب نبض الزمن

مايا إبراهيم تكتب :  فؤاد كيالي… قلبٌ إذاعيّ نابض، وعقلٌ يكتب نبض الزمن

في عالمٍ يتغيّر فيه الإعلام كلّ يوم، وتتشعّب أدواته وتقنياته، تبقى الإذاعة بالنسبة لكثيرين فنًّا نبيلًا لا يفقد جوهره مهما تطوّرت الوسائل. وسط هذا المشهد المتسارع، تظلّ أسماء قليلة تحمل في داخلها نبض المهنة الحقيقي، وتُعامل الإذاعة كمسؤولية وشغف لا كمنبر عابر. من بين هؤلاء، يبرز فؤاد كيالي، لا كإعلامي تقليدي، بل كمتخصّص عاشق لفنّ الإذاعة بكلّ عناصره، من النصّ إلى الإخراج، ومن الموسيقى إلى التقنيات، ومن الإعداد إلى التكوين السمعيّ الذي يمنح العمل هويّته المتكاملة.

في المشهد الإعلامي اللبناني، أسماءٌ تمرّ سريعًا، وأسماءٌ تظلّ، لأنها لا تكتفي بالحضور، بل تصنع الفرق. من بين هؤلاء، يتألّق اسم فؤاد كيالي، الذي لم يكن يومًا مجرّد موظف أو مقدّم، بل كان عقلًا هندسيًا في خلفيّة كلّ عمل إذاعي، يمسك بخيوط التفاصيل ليقدّم المنتج الكامل بصيغته الأجمل.

منذ صغره، لم تكن الإذاعة بالنسبة إلى فؤاد كيالي مجرّد وسيلة إعلام، بل كانت عالمًا مدهشًا بأصواته، وموسيقاه، وتقنياته. تعلّق بها وهو طفل، يستمع بإعجاب إلى برامج “صوت لبنان العربي”، فيسجّلها على أشرطة الكاسيت، ويقلّد ما يسمعه بشغف، كأنّه تلميذ يُصغي إلى أساتذته بصمتٍ وانبهار. لم يعمل يومًا في تلك الإذاعة، لكنه يعتبرها مرجعًا أثّر في تكوينه الذوقي والمهني، ومدرسة أولى شكّلت علاقته العميقة بعالم الميكروفون.

اختار أن يكون في خلفية المشهد، حيث تُصاغ التفاصيل وتُصنع النتيجة. شغفه كان في المحتوى، الإخراج، الإعداد، الموسيقى، والمجال التقني. أحبّ الكلمة الجميلة، الأداء المتقن، والموسيقى المناسبة، وكان يختار المقطوعات للمقدّمات والفواصل والإعلانات بدقّة حسّية وفنية. كما تولّى المونتاج، تجهيزات البث، المكساج، والهندسة الصوتية، مُتقنًا كلّ ما يجعل الإذاعة نظامًا حيًّا ينبض بالدقّة والذوق.

انطلاقًا من هذا الشغف، لم ينتظر الفرص بل صنعها بنفسه، فأسّس عام 1990 إذاعة Radio Music Power وشركة إنتاج متخصّصة في تنفيذ البرامج والإعلانات، بالتعاون مع نخبة من المحترفين. كان يكتب النصوص، يُخرج، يُنفّذ، يُركّب العناصر الفنية، ويهندس المحتوى الإذاعي بأعلى درجات الحرفية، بعيدًا عن الأضواء، قريبًا من جوهر المهنة.

ولم تتوقّف إسهاماته عند حدود الإنتاج، بل امتدّت إلى تدريب الأجيال، فكان وراء انطلاق العديد من الإعلاميين الذين باتوا اليوم من الوجوه المعروفة، بفضل إشرافه المباشر ودقّته وحرصه على الجودة.

ومن محطة إلى أخرى، شغل موقع مدير البرامج في إذاعة صوت بيروت من عام 1998 وحتى 2019، حيث أدار المحتوى بروح مبدعة ووعي إعلامي، حافظ على نبض الإذاعة قريبًا من الناس، وملامسًا لما يشغلهم ويهمّهم.

توازى نشاطه المهني مع التزامه النقابي، فكان عضوًا في المجلس التنفيذي لنقابة العاملين في الإعلام المرئي والمسموع، حيث عمل على الدفاع عن حقوق الإعلاميين والمساهمة في تطوير بيئة العمل الإعلامي.

وفي عام 2011، أطلق مشروعه الكتابي عبر امتياز مجلة “ليل نهار”، التي صدرت بطباعة فاخرة ومواضيع راقية، قبل أن تتحوّل لاحقًا إلى موقع إلكتروني ثقافي وإعلامي متنوّع، يواكب العصر دون أن يتخلّى عن جوهره المهني.

على امتداد مسيرته، نسج كيالي علاقات صداقة متينة مع عدد كبير من الفنانين من لبنان والعالم العربي، وكان شاهدًا على انطلاقة العديد منهم، وقدّم لهم منبرًا إعلاميًا داعمًا، سواء عبر المجلات أو اللقاءات أو الحفلات التكريمية التي نظّمها، ومنها تكريم الفنان الكبير أبو سليم – صلاح تيزاني، الذي تحوّل إلى تحيّة عرفان من الإعلام لروّاد الفنّ.

أما في مجال الإبداع الإذاعي، فقد كتب عشرات البرامج، فضلًا عن آلاف الإعلانات التجارية التي خرجت إلى الجمهور عبر كتابته وإخراجه وتنفيذه، لا من خلال حضوره كأداء، بل كصانع فكرة ومُبتكر قالب.

وخلال دراسته الجامعية، كتب في مجلات بارزة مثل “نادين”، كما ساهم بمقالات في جريدة السياسة الكويتية عام 2000، مثبتًا حضوره ككاتب صاحب رأي، لا يقلّ براعة عن حضوره كمُخرج ومنفّذ ومبتكر إذاعيّ.

وقد نال خلال مسيرته عدّة شهادات تقدير من مؤسسات مرموقة: منظمة الصحة العالمية، وزارة الصحة اللبنانية، جمعية المقاصد، دار الأيتام الإسلامية، التجمع الشعبي البيروتي، اتحاد الشباب الوطني، شبكة تحقيقات… تكريمات تؤكّد أن أثره الإذاعي لم يمرّ عابرًا، بل حُفر بعمق في الذاكرة الإعلامية اللبنانية.

واليوم، لا يزال يملك رؤى نقدية واضحة للمشهد الإعلامي الحديث، تستحق الإصغاء. فهو شاهد على تحوّلات المهنة، ومعلّم من علّموا أصولها، وعقلٌ محترف اختار الجودة على حساب الظهور، فبقي صوته الداخلي أنقى من كل ضجيج.

خاتمة:

فؤاد كيالي ليس مجرّد اسمٍ في سجل الإعلام اللبناني، بل هو محطة نابضة في ذاكرته، وذاكرة حيّة لكلّ من أحبّ الإذاعة كفنّ ورسالة. لم يكن نجمًا أمام المايكروفون، بل كان القوة الخفية التي جعلت البرامج أكثر اتقانًا، والموسيقى أكثر تأثيرًا، والإعلانات أكثر حضورًا. هو من القلائل الذين تُكتب سيرتهم بحبر المحبّة، وتُروى تجربتهم كمنهاجٍ يُحتذى. وفي زمنٍ كثُر فيه المتكلّمون وقلّ فيه العاملون بصمت، يبقى كيالي من الذين يُحترم عطاؤهم… ويُصغى إلى أثرهم باحترامٍ وامتنان.
الإعلامية مايا إبراهيم