مايا إبراهيم تكتب :  عصام الرحباني… حين يُغنّي التعليمُ طربًا، ويتعلّم الطربُ من الوفاء

مايا إبراهيم تكتب :  عصام الرحباني… حين يُغنّي التعليمُ طربًا، ويتعلّم الطربُ من الوفاء

ليس عابرًا في ليل الأغنية، بل هو من زرع صوته وموهبته في كل زاوية لبنانية تنبض بالموسيقى والحلم. هو عصام الرحباني، الفنان المتعدّد المواهب: غناء، طرب، تمثيل، وتلحين. صوتٌ يشبه الأمسيات القديمة حين كانت بيروت تحتفل بالحياة رغم كل شيء، ونبضه فنّي لا يعرف سوى الصعود.

درَس الموسيقى في “المعهد الوطني العالي للموسيقى”، ولم يكن الفن وحده طريقه، بل كان أيضًا مربّي أجيال، أستاذًا علّم في مدارس “الفنار” صباحًا، بينما كان يُحيي الحفلات والسهرات ليلًا، متنقّلًا بين الطرب الهادئ ومزاج الناس العطشى للحنٍ صادق. وفي قلب “عين المريسة” النابض بالسهرات، حمل صوته إلى الليالي البيضاء، مطعّمًا بالشجن والحضور.

غنّى صولو في مناسبات راقية، وصعد إلى الخشبة بصوتٍ منفرد يفيض شجنًا وإحساسًا، كما يعزف على العود حتى اليوم، في تماهٍ جميل بين الصوت والوتر، بين القلب والمقام.

تبنّاه المخرج نجم علّام، وأسند إليه بطولة جميع أعماله المسرحية، من “أوبيريت صيادي لبنان” إلى “أوبيريت عرسك يا جحا”، وغيرها من الأعمال التي طبعت بصوته وخطوته خشبة المسرح.

امتدّت علاقته العميقة مع الجمهور والمهرجانات لأكثر من عشر سنوات، وشارك في أجمل الأمسيات التي كانت تُقام تحت عنوان “سحر لياليها”، حيث كانت له الخلوة مع فنانين كبار مثل سميرة توفيق، جوزيف عازار، وصلاح تيزاني، في لقاءات موسيقية كانت تُشبه الأعراس الوطنية.

كرّمه كبار الشخصيات ووقف إلى جانبه فنانون لامعون في مناسبات عدّة، وشارك في حفلات مهيبة كحفل أوتيل الفينيسيا عند النصب الكبير، وحفلات الساحة البيضا وسوريا، وبيروت التي طالما غنّى لها كما تغنّت هي بصوته.

عصام ليس فنان سهرة عابرة، بل هو صوت يُربّي الفرح في الناس، ويلحّن الصدق في الأذن. عاش المهنة كرسالة، ولم تكن الأضواء هي غايته، بل ذلك الوهج الذي يبقى في القلب بعد كل أغنية.

ورغم تبدّل الأحوال، وصعوبات الواقع، ظلّ عصام مؤمنًا أن الفن الصادق لا يموت، واستمرّ في الغناء ضمن حفلات المغتربين، ومع الجاليات اللبنانية التي وجد فيها امتدادًا لصوت الوطن.

هو ابن لبنان الحقيقي… الذي لم ينطفئ يومًا، بل ظلّ يُشعل النغمة والدفء في كل مكان مرّ فيه.
الإعلامية مايا إبراهيم