مايا إبراهيم تكتب : عبد المؤمن القشلق… حين يكتب الطبيب من قلب الحياة

مايا إبراهيم تكتب : عبد المؤمن القشلق… حين يكتب الطبيب من قلب الحياة


في زمنٍ كثرت فيه الوصفات وقلّت الحكمة، يبرز اسم الدكتور عبد المؤمن القشلق كصوتٍ مختلف، طبيب لا تقتصر أدواته على السماعة وسجلات العيادة، بل يفتح نافذة على الطب كعلمٍ وإنسانية، ويمدّ الجسر بين الباطنية والبدائل التي تعيد الجسد إلى فطرته، والروح إلى توازنها.

من مدينة حمص السورية، حمل همّ الصحة بمعناها الأوسع، وعمل في القطاع الطبي الرسمي كمديرٍ للرعاية الصحية، إلى جانب إدارته لعيادته الخاصة التي تحوّلت إلى مساحة للإنصات العميق—لا للمرض فقط، بل لما خلف المرض من مشاعر وأسباب دفينة. وفي المؤتمرات العلمية التي شارك فيها في الأردن، ومصر، والعراق، وتونس، لم يكن عبد المؤمن القشلق مجرد مشارك، بل حامل رؤية، وباحث دائم عن الطب في عمقه الجوهري.

أدرك القشلق باكرًا أن الجسد لا يُشفى وحده، وأن ثمة فجوة بين الطب التقليدي وما يحمله الإنسان من قلق مزمن وشوق إلى التوازن الداخلي. من هنا، بدأ رحلته في الطب البديل، متعمّقًا في الماكروبيوتيك، الأغذية الوظيفية، الحجامة، الأعشاب، وسمّ النحل، ليقدّم تجربة طبية متكاملة تُنصت إلى الجسد كما تنصت إلى حكمة العصور.

ولأن القلم لا يقل أهمية عن المشرط، ألّف الدكتور القشلق موسوعة من أربعة أجزاء في الأعشاب الطبية، وكتب مؤلفات علمية متخصصة في العلاج بالحجامة والأغذية الشافية، مرتكزًا على سنوات من الملاحظة والتجربة والقراءة. ولم يغفل جانبًا آخر من اهتماماته، فأصدر كتابًا بعنوان “كل شيء عن الكلاب”، وثّق فيه تجربته في تربية الكلاب وتدريبها والتواصل معها بوعي ومحبة.

اللافت أن هذا الطبيب، الذي غاص في تفاصيل الجسد والعلاج، توجّه أيضًا إلى الأدب، فكتب رواية “دموع بغداد”، وقدم عملًا روائيًا آخر حاز جائزة أدبية في العاصمة العراقية، في تأكيدٍ على أن الكتابة بالنسبة له ليست ترفًا بل ضرورة، تعبّر عن مشاهدات إنسانية، ومعاناة شعبية، وثقافة مكتسبة.

أما في الفضاء الرقمي، فقد أسّس عبر قناته “الطب البديل مع الدكتور عبد المؤمن القشلق” مكتبة مصوّرة من الشروحات والمداخلات التثقيفية، تناول فيها العلاقة بين الغذاء والمزاج، بين ما نأكله ومن نكون، وكيف يمكن لقرارات بسيطة أن تغيّر مسار الصحة والعافية.

عبد المؤمن القشلق ليس مجرد طبيب يصف الدواء، بل مثقّف يرى في الطب رسالة، وفي الإنسان منظومة معقّدة تستحق الإصغاء لا الفحص فقط. يكتب ليرمّم، ويعالج ليفهم، ويتحدّث لا ليُبهر، بل ليُنير. في عالمٍ يغري بالاختصار، يختار القشلق أن يمضي في العمق، وفي زمنٍ يبيع الوهم، يقدّم العلم كما يجب أن يكون: واضحًا، صادقًا، ومتواضعًا.