مايا إبراهيم تكتب : شفيق الجعيد… عازف الأورغ الذي يمنح المفاتيح قلبًا
في عالم يفيض بالضجيج، وتتكاثر الأصوات بلا حدود، يبرز شفيق الجعيد كنبع هادئ، حيث تتحول مفاتيح الأورغ إلى همسات موسيقية تلامس الروح. هناك، في عتمة الصمت، يولد الفن الحقيقي، وتبدأ قصة العزف الذي لا يُنسى، قصة تعانق القلب قبل الآذان.
في زمنٍ تكتظ فيه المسارح بالآلات، ويغلب الضجيج على الإحساس، يطلّ شفيق الجعيد كعازفٍ يُجيد الإصغاء قبل أن يُبدع العزف، يعرف كيف يُمسك بالموسيقى كما يُمسك المحبّ بيد من يحبّ… بهدوء، بثقة، ودهشة.
من حصروت، تلك البلدة المتربّعة كأنشودة على كتف الشوف، جاء صوته من دون صوت… عزفه وحده. هناك، بين خضرة الجبال ونسيم القرى، تشكّلت بداياته، حيث كان الأورغ أكثر من آلة، بل صديقًا يُحاوره ويمنحه مفاتيح التعبير.
شفيق لا يعزف فقط، بل يروي. لكل نغمة لديه ظلّ، ولكل لحن مرآة لما يعتمل في أعماقه. لا يسعى إلى بهرجة الأداء، بل يذهب مباشرة إلى الجوهر: الإحساس الصافي. إنه من أولئك الذين يُنصتون إلى صمت الآلة قبل أن يُخرجوها من صمتها.
وكما يجد الكمان صداه في يد شقيقه محمد زياد، يجد الأورغ صوته الأصيل في يد شفيق، فينصهر الأخوان في سيمفونية صامتة عنوانها الوفاء للنغمة، والتواضع أمام الفن.
حين يمسك شفيق الجعيد بالأورغ، لا يعلو الصوت بقدر ما يرتفع المعنى. يتنقل بين المقامات كما يتنقل القلب بين نبض وآخر، يُطعّم العزف بروحه، ويحمل المفاتيح رسالة لا تلتقط إلا من يعرف كيف يُصغي حقًا.
هو من الموسيقيين الذين لا يشغلهم بريق الأضواء، بقدر ما يهمّهم أن تترك نغمة وفاء أثرها في دروب الفن. في كل عزف له، لمسة وفاء لفنه، ورفعة ذوق، وذكاء عاطفي يصعب تعليمه.
شفيق الجعيد… ليس مجرد عازف أورغ، بل شاعر بصمت، ورحّالة في عالم الألحان، يُعطي للآلة قلبًا، وللنغمة حياة.
وفي عالم يصمت فيه الكثير، يظل شفيق الجعيد صوتًا ناعماً، ينبض بين أنامل الأورغ، يزرع في كل مفتاح نبضة حياة، وفي كل لحن قصة لا تنتهي. هو ليس فقط عازفًا، بل شاعر يُغني الصمت، وحارسًا للذكريات التي تنبض في صدى الألحان. ومع كل نغمة تعزفها يده، تكتب الموسيقى سيرة قلب عاشق، وفن لا يموت .
الإعلامية مايا إبراهيم





