مايا إبراهيم تكتب : شريف دسوقي… ابن المسرح العتيق الذي صعد من الظلّ إلى الضوء
في زمنٍ تميل فيه الأضواء إلى السطحي والجاهز، خرج شريف دسوقي من عمق الخشبة، من عتمة كواليس المسرح السكندري، حاملاً إرثًا من الصدق والعراك، ليقول بصوتٍ يشبه صوت الناس: “أنا هنا… ممثلٌ جاء من الحياة ذاتها.”
لم يكن طريقه مفروشًا بالفرص، بل ممهورًا بالكدّ والمشقّة. ابن مدير مسرح إسماعيل ياسين، تربّى بين الأدوار الصغيرة والكواليس المهملة، بين صدى الضحك وبكاء الممثلين في ليالي الخيبة. عاند القدر، وعاند حتى رضا والده، لأنه اختار الفن طريقًا، لا يورَّث كالمهنة، بل يُنتزع كحلم.
في فيلم “ليل خارجي”، لم يكن “مصطفى” مجرد شخصية، بل نافذة على الشوارع الخلفية للمدينة، على قلب العامل المصري المهمَّش، المقهور، لكنه ما زال يضحك ويقاوم. حصد جائزة أفضل ممثل في مهرجان القاهرة السينمائي الدولي 2018، لا لأنه قدّم أداءً متقنًا فقط، بل لأنه كان الشخصية بكل تشققاتها وهمومها. لم يمثلها، بل عاشها.
ثم جاء “بـ100 وش” ليمنح وجهه المألوف للعامة شهرةً تستحقه. “سبعبع” لم يكن شخصيةً مكتوبة على ورق، بل كان مرآة لعفوية الشارع المصري، بدهائه الطيّب وروحه الساخرة. أعاد إلينا شريف دسوقي ما نحب في الكوميديا: بساطتها، وصدقها، وجرأتها المغلّفة بالحب.
لكن الحياة لا تمنح أبطالها راحة دائمة. ففي لحظةٍ قاسية، واجه تحديًا صحيًا كبيرًا أثّر على خطواته، لكنه صمد بعزيمة فولاذية، ولم يسمح لأيّ ظرف أن يوقف إبداعه أو يطفئ نور موهبته. كان هذا الفصل في حياته اختبارًا حقيقيًا لقوة روحه وإصراره.
إن ما يميز شريف دسوقي ليس فقط موهبته، بل إنسانيته العارية من التجمّل والتصنّع. هو من القلائل الذين حملوا على أكتافهم تعب الحياة، ولم يتنكروا لها حين أضاءتهم الكاميرا. بقي كما هو: ابن الورش، وابن الشارع، وابن المسرح الذي لا يخون أصله.
هو مدرسة لا تدرّس، ولكن تُستلهم. فنان حقيقي لا يفتعل البطولة، بل يجعل من الألم بطولة. رجل يعلّمنا أن المسرح ليس مجرد خشبة، بل مكان نعلّق عليه خلاصنا، وأن الفنّ حين يكون صادقًا، يُشفى… ويشفي.
الإعلامية مايا إبراهيم





