مايا إبراهيم تكتب : شربل كميل شعيا… حين يكتب الإيمان نصَّه على خشبة القلب
هو ليس فقط كاتبًا أو شاعرًا أو ممثلًا، بل مشروع حياة كاملة تكتب نفسها من سطرٍ إلى سطر، ومن خشبة إلى خشبة. شربل كميل شعيا، ابن بلدة دقّون في قضاء عاليه، هو رجلٌ جعل من الثقافة مملكته، ومن المسرح بيته الأول، ومن اللغة ذخيرته التي لا تنضب. يحمل شعيا شهادة تقدير في “استثمار الفنون في علم النفس” ، وأخرى في “علم النفس السلوكي”، وماجيستير في الفلسفة العامة والآداب من الجامعة اللبنانية، إضافة إلى دبلوم دراسات عليا في التمثيل والإخراج من الجامعة اللبنانية أيضًا.. يتقن العربية والفرنسية والإنكليزية، لكنه اختار أن يعبّر عن ذاته بلغته الأم التي ظلّت له وطنًا داخل الوطن.
في مسيرته، خيطٌ رفيع يجمع بين التدريب، والتمثيل، والتأليف، والإخراج، والشعر، والتدقيق اللغوي، والبرامج التلفزيونية، وحتى الشأن العام. ليس طُموحه مجرد نجومية عابرة، بل تأثير فعلي في البنية الجمالية والثقافية للمجتمع، بدءًا من طلاّبه، مرورًا بالمتدربين في أكاديمية MBC حيث عمل مع جيسكار لحّود كمدرّبٍ ومعالجٍ دراميٍّ ولغويٍّ، وصولًا إلى مَن شاهدوا مسرحياته، أو استمعوا لترانيمه وأناشيده، أو شاهدوه في مسلسلات درامية عديدة.
لم يكن المسرح عند شربل كميل شعيا مجرّد هواية، بل هو مساحة للتنفس، ومختبر للذاكرة، ومدخل لفهم الذات. كتب وأخرج العديد من الأعمال المسرحية مثل “أربع ملايين وبس” و”عرس قانا الجليل” و”بي الفقرا”، كما حمل على كتفيه إرث الرحابنة بإخراج أعمال مثل “صيف 840، آخر أيام فخر الدين، بياع الخواتم ، جبال الصوان والشخص” وذلك بإذنٍ رسميٍّ، مُكرِّمًا بذلك عبقًا مسرحيًا لبنانيًا قلّ نظيره.
في الدراما التلفزيونية، حضور شربل كميل شعيا يختصره الاتساع: فقد كتب، وشارك، وراجع، ودرّب، وكان “السكربت دكتور” لأعمال عديدة بين لبنان والسعودية، منها مؤخّرًا: “الزمن الضائع”، “أسماء من الماضي”، “زعيم حرب القرى”، فضلًا عن كتاباته لبرامج تلفزيونيّة دامت لسنواتٍ مثل “كتير سلبي شو” و“كوميكاز” على الـ LBCI ، و”خليها علينا” على MBC.
الكتابة عنده ليست نوعًا أدبيًا محددًا، بل فعل وجود. فقد كتب شربل كميل شعيا الشعر والأغاني والجنيريكات والتراتيل، ومنها: “قيامة لبنان”، “هلّل أرزك يا لبنان”، “زند الجيش”، و”حلوة متل بيروت”، فضلًا عن عشرات الترانيم التي ما تزال تُعرض على القنوات حتى اليوم، وجميعها موثقة على قناته في YouTube.
رغم حياته الفنيّة الصاخبة، هناك جانبٌ اجتماعيّ أيضًا في حياة شعيا، فهو عضو سابق في بلدية دقّون، وعضو في نقابة الممثّلين في لبنان وناشط بيئي واجتماعي، يواكب قضايا منطقته ووطنه. وبفضل علاقاته الطيبة مع الناس، نجح في تنسيق الضيوف وإدارة المشتركين في برامج تلفزيونية عديدة.
من جهة أخرى، يعمل شعيا مدقّقًا لغويًّا في عددٍ من شركات الدوبلاج الكبرى في لبنان والعالم العربي، كما يتولّى مهامّ ضبط وتدقيق اللغة العربية في أعمال فنية ونصوص الشعر والروايات والإعلانات والمسرحيات، وكل ذلك بتأنٍّ يشبه الترجّل الحالم بين الجُمَل.
أما في التمثيل، فقد شارك شربل كميل شعيا في أكثر من عشرين عملٍ مسرحيٍّ منذ عام 1991، بينها نادر مش قادر، عمتي نجيبة، كرمال المحروس، علّوا بواب الدار، الأخوت، أمواء، إنتو التغيير، إلى جانب مشاركاته في التلفزيون، منذ التسعينات وحتى اليوم، في مسلسلات مثل “الأخوان”، “المحرقة”، “سجن الأيام”، “فرن الصبايا دوت كوم”، “رصيف الغرباء”، "الزمن الضائع"، ”سر وقدر”...
شعيا ليس عابرًا في التجربة الفنية، بل أحد أركانها الصامتين، الذين لا يبحثون عن التصفيق بقدر ما ينشدون الصدق. إنّه نحاتُ مشاعرٍ يعرف أن المسرح ليس فقط عرضًا، بل خلاص، وأن الشعر ليس فقط كلمات، بل كيان.
هذا الفنّان الشغوف هو رجلٌ من الذين يشبهون الشجر في ولائها للأرض، والينابيع في شفافية عطائهم، والكتب في شغفها بالمعنى. وبين دقّون والجامعة والمسرح والكتابة، كتب شعيا سيرةً لا تُشبه إلا نفسها… فيها الفنّ علاج، والكلمة دواء، والحياة خشبة.
شعيا، الذي تاه يومًا بين الشكوك والأسئلة الفلسفية الوجودية الكبرى، عاد يحمل على كتفيه يقينًا لا يلين. صار الفن عنده صلاة، والنصّ فعل حبّ، والترنيمة اعتراف قلب، والكتابة لقاءً مع منقذه الأول: القديس شربل، الذي خصّه بأغنيات وترانيم مثل “حدّي يا شربل ضلّ” و”حبيبي اسمو شربل”، وكأنها مناجاة شخصية تُحاكي الروح قبل الأذن.
خلاصة القول، إنّ شربل كميل شعيا هو صديق الروح الذي يحمل على كتفيه رسائل الفن والصدق، ويضيء دروبنا صباحًا بالبسمات على منصّات التواصل الاجتماعي بكلماته التي تحمل دائمًا أملاً جديدًا وإيجابيّة وتفاؤلًا صادقًا وسط ازدحام الحروب والكراهية والحقد في العالم. فكلماته تلامس القلب، وتذكرنا بأن الحياة، مهما كانت معقّدة، يمكن أن تُعاش بإيمان ينبع من عمق الوجدان، ويتجدّد في كل لحظة على خشبة القلب، على أن يُوقَّع بالشغف والإبداع والحُبّ.
الإعلامية مايا إبراهيم





