مايا إبراهيم تكتب : شادية زيتون دوغان… سيدة الضوء في محراب المسرح

مايا إبراهيم تكتب : شادية زيتون دوغان… سيدة الضوء في محراب المسرح

في زاوية خفيّة من الخشبة، حيث تتنفس الجدران وتتمدد الظلال على وقع النبض المسرحي، تقف شادية زيتون دوغان. لا أمام الجمهور، بل وراء الكواليس، هناك حيث يولد السحر وتُفكّك اللغة لتُعاد صياغتها بالضوء والخشب والفراغ.

ليست شادية مجرد مصمّمة ديكور أو سينوغرافيا؛ بل هي شاعرة المكان، مهندسة الرؤية، امرأة ترى المسرح لا كخشبة، بل ككائن حيّ، له رئتاه من الخيال، وقلبه من الرؤية، وعقله من الدقة. حملت من بروكسل علومها، ومن بيروت قلبها، وراحت تزرع في المسارح العربية هندسة تروي، لا تزيّن فقط.

من المسلسلات التي تنقلت بين لبنان وعجمان واليونان، إلى المسارح التي وقفت على أطراف أحلامها، نسجت دوغان مشهديات تخاطب العقل والوجدان. في “الشهيد ابن البلد” لم تكتف بتجسيد المكان، بل نبشت الذاكرة، وأعادت تكوين الوطن من عرق الخشبة. في “سقوط عويس آغا”، كان الفضاء المسرحي صرخة احتجاج بصرية. أما في أعمالها التلفزيونية، فقد التزمت بصدق الفكرة، لا بترف الصورة، فبدت الشاشة معها كأنها ممر بين الواقعي والمتخيّل.

ولأن الفن التزام، لم تكتفِ شادية بالإبداع خلف الستار، بل خرجت إلى العلن نقابيةً، تدافع عن كرامة الفنان، وتطالب بحقه في أن يعيش من موهبته لا من ألمه. حين تولّت رئاسة نقابة الفنانين المحترفين في لبنان، لم تكن تطلب لقبًا أو منصبًا، بل كانت تُعيد للنقابة معناها الأصيل: أن تكون بيتًا يحفظ كرامة الفنان، وموقعًا لا يُهادن حين يُهان المبدع. رفعت الصوت في وجه الإهمال، وسعت لتأمين تغطية صحية واجتماعية عادلة، وأطلقت حوارات حول شروط الإنتاج وأخلاقيات المهنة. جعلت من النقابة منصة فعل، لا مجرّد واجهة تمثيلية، وكرّست موقع الفنان كمواطنٍ كامل الحقوق.

تكتب عن السينوغرافيا كأنها تكتب عن حياة سرّية لا يفهمها إلا من ذاق وجع الخشبة. في مقالتها “السينوغرافيا مسافات إيقاعية”، تفكّك المسرح إلى نبض، والمشهد إلى إيقاع، وتدعو إلى وعي بصري يعانق الفكرة لا يتطفل عليها. تقول إن المسرح هو “عرّاب الوعي”، وإنه حين يضعف المسرح، لا ينهار الفن فقط، بل يتراجع الإنسان.

شادية زيتون دوغان ليست فقط رائدة في مهنتها، بل هي ذاكرة من خشب ورؤية من نور. في مسيرتها، تتقاطع الحرفة بالثقافة، وتتآخى الصنعة بالرسالة. وكأنها وُلدت لتمنح المسرح صوته الصامت، لتهندس ما لا يُقال، وتُضيء ما يتوارى خلف الجملة.

في زمن يطغى فيه الزيف البصري، تبقى شادية زيتون دوغان أيقونة حقيقية لصدق الرؤية وعمق الفن. امرأة فهمت أن وراء كل عرض مسرحي ناجح، عقلٌ يخطط، وعينٌ ترى ما بعد الجدار، وقلبٌ ينبض خلف الستارة.
الإعلامية مايا إبراهيم