مايا إبراهيم تكتب : شادي معلوف… منبر للذاكرة وصوت يَسمع ليُسمِع
في زمنٍ يركض بسرعة الضوء وتخنقه الضوضاء، يخرج شادي معلوف من بين الضجيج، حاملًا نبرة إذاعية ناعمة، لا تصرخ ولا تُساير، بل تحفر حضورها في ذاكرة المستمع. هو صوتٌ لا يُشبه سواه، يُجيد الإصغاء كما يُجيد السرد، يحترم الزمن والمعلومة، ويعيد رسم المشهد اللبناني والعربي بكامل أناقته وصدقه.
ابن الإذاعة العريقة "صوت كل لبنان" التي صارت بيتًا لروحه، وذاكرةً لأحاديثه الممتدة على أكثر من عقدين. هناك، أدار حلقات عميقة عبر برامجه منقّبًا في أوراق الفن والثقافة والتاريخ والسياسة، ومستضيفًا القامات لا ليمجّدها بل ليَفهمها ويجعلنا نفهمها.
تجاوز المايكروفون ليصير كاتبًا جمع أبرز محطاته في كتاب “من الأوّل”، حيث أخذنا في رحلة شخصية وإعلامية، تُشبهه بتواضعها وغناها. لم يُغوِه البريق، ولم ينجرف إلى استهلاك اسمه في برامج التسلية، بل ظلّ أمينًا على روح المهنة: بحث، تحليل، وثقافة.
ثمّ حلّ قلمه على صفحات "ثقافة وفنون" في جريدة "نداء الوطن".
على الشاشة قدّم الأخبار والحوارات. وأطلّ على ذاكرة الصحافي والمستشار الإعلامي السابق في رئاسة الحكومة حكمة أبو زيد فاستعاد معه مسيرته وذكرياته في سلسلة حلقات ضمن برنامج "لكل زمان دولة ورجال".
وفي برنامج "قبل ما أنسى" عبر قناته في "يوتيوب"، استعاد أرشيفًا غنيًّا من حواراته، كأنّه يُنقّب عن الكنوز المنسيّة من الزمن الجميل. هو حارس الذاكرة، يسردها بهدوء الرهبان وشغف الباحثين.
حتى عندما اختار أن يتحاور مع "الذكاء الاصطناعي"، فعلها بشغف المثقّف لا بسطحيّة المستعرض.
شادي معلوف، ببساطة، هو صوتٌ لا يشيخ، وكلمة لا تُخدش، ورسالة لا تُشترى. يكتب كأنه يُصلّي، ويتحدّث كأنه يُحب، ويسرد كأنه يحفظ الحكاية عن غيب… لأنه في العمق، لا يقدّم إعلامًا، بل يصنع ذاكرة.
الإعلامية مايا إبراهيم








