مايا إبراهيم تكتب : ريتا الخوند… سيّدة المايكروفون والكلمة النديّة
في زمنٍ تتكاثر فيه الأصوات وتغيب فيه النبرة الصادقة، تخرج ريتا الخوند كأنها تغنّي من قلب الحروف. إعلامية لبنانية، لكنّها ليست مجرد مذيعة أو مقدّمة برامج، بل صوت يعرف متى يصمت، ومتى يُشرق بالكلام. بين الإذاعة، والكتابة، والبحث الأكاديمي، تتنقّل بثقة امرأة تعرف تمامًا من أين أتت وإلى أين تمضي.
ولادة صوت
بدأت الحكاية من وراء المايكروفون، حيث الهدوء هو المايسترو، والكلمة سيدة الموقف. من إذاعة “صوت لبنان” إلى “لبنان الثقافة”، عرفت ريتا كيف تزرع صباحات الناس بسلام، وتفتح نوافذهم على المعنى. لم تكن تتكل على الزينة الصوتية، بل على دفء النبرة وصدق الرسالة. وقدّمت برنامج “مع كل شرقة شمس”، تمامًا كما تشرق هي على مستمعيها.
غيابٌ… ثم عودة بحبّ
في الثمانينات، انسحبت بهدوء عن الأضواء لتؤسس عائلة، ثم عادت بعد عشر سنوات، لا لتبحث عن الشهرة، بل لتجدد عهدها بالميكروفون، هذه المهنة التي لا تخون من أحبّها بإخلاص.
عادت عبر الأثير، وعبر السوشال ميديا، ولكنها عادت كما غادرت: حقيقية، واثقة، لا تتكئ على الاستعراض، بل على عمق التجربة.
بين الشعر والرواية… قلبٌ يكتب
أصدرت ديوانها «أميرة الياسمين»، ليس فقط كشاعرة بل كامرأة تحكي بلغة تشبه ندى الصباحات. شعرها لا يستعير أنفاس غيره، بل ينبع من أرضها الداخلية، من سكينة تعرف طريقها.
ثم كتبت «أماني ونور… قصة قدر»، رواية خرجت أولًا من قلب الفيسبوك، ثم من دفاترها الخاصة إلى معرض بيروت الدولي للكتاب. حكاية حبٍّ تولد وسط الضجيج الرقمي، لكنها لا تتلوث به. ريتا كتبتها لا ككاتبة روايات، بل كامرأة مرّت على النبض واحتفظت بصورته.
في الأكاديميا… باحثة عن المعنى
لم تكتفِ بالكتابة ولا بالإذاعة، بل دخلت الحقل الأكاديمي من بابه العريض. نالت ماجستيرًا في الإعلام عن أطروحة حول مسلسل “وأشرقت الشمس”، تُعنى بالإنتاج المعرفي، وهي تتابع اليوم رسالة الدكتوراه، وكأنها تقول إن الكلمة لا تكتمل إلا بالمعرفة.
وجه آخر… وجه الأرض
في خلفيّتها أيضًا وجه بيئيّ. ريتا كانت من المؤسسين لمشاريع بيئية تدعم الزراعة المستدامة، وتؤمن بأن الإنسان لا يُغرس في وطنه إلا إذا تعلّم زراعة الحبّ والخبز والنحل والمطر.
خاتمة تُشبهها
ريتا الخوند ليست مجرّد صوتٍ على الراديو، أو توقيع في ديوان، أو صورة على الشاشة. هي تجربة حياة كاملة. امرأة حين تتكلم، تشعر أنك تجلس في حضرة شجرة ياسمين لا تحتاج إلى زخرفة.
هي من الجيل الذي لا يشيخ، لأن روحه مزروعة في الأرض، مزروعة في السطر، ومزروعة في قلوب من سمعوها وقرأوها، وآمنوا أن الإعلام قد يكون مهنة… لكنه حين يُمسك به قلبٌ كقلب ريتا، يتحوّل إلى رسالة.
الإعلامية مايا إبراهيم





