مايا إبراهيم تكتب : روي ج. حرب… الكاتب الذي يعيد ترتيب الحنين ويشذّب اللغة كأغصان اللبلاب
في زمنٍ تزدحم فيه الكلمات وتتهاوى المعاني تحت ضجيج الاستهلاك، يخرج من بين دفاتر اللغة صوتٌ يشبه صلاة سرّية تُهمَس في أذن الغيم: إنه روي ج. حرب، الكاتب، المدير التربوي، والناشط في الشأن العام، الذي اختار أن يكون شاهدًا على التفاصيل لا على العناوين، وأن يحترف الإصغاء إلى ما لا يُقال، لا فقط إلى ما يُكتَب.
من “قصة عمر” التي بدأها كلعبة أدبية خجولة، فإذا بها تُقارب جرحًا عائليًا غائرًا، إلى “مبنى الأحلام” الذي لم يكن مجرد بناء سردي بل خريطة وجدان، يكتب روي حرب وكأنّه يربّي الكلمات لا يُطلقها فقط. كتاباته ليست مجرد روايات، بل رسائل إلى الإنسان المكسور الذي يسكننا جميعًا، تحاول أن تواسيه وتعيد تشكيله من هشاشته.
هو الكاتب الذي لا يستعرض عضلات اللغة، بل ينحني للبساطة بتواضع العارفين. وبين الحنين في “نسمات الحنين” وأحلام التحوّل في “مبنى الأحلام”، يمضي حرب كمن يزرع في حديقة الصمت بذورًا لا تنمو إلا في مناخ داخلي شفاف، يشبهه.
لكن روي حرب لا يكتفي بلعب دور الروائي، بل هو أيضًا مدير ثانوية ومدير تربوي من طراز نادر، يرى في الإدارة فعل رعاية لا سلطة، وفي التعليم رسالة مستمرة تتعدّى حدود الصفوف والجدران. يحمل شهادة الدكتوراه، ويتقن أكثر من لغة، فيعبُر بثقافته الحواجز الجغرافية والفكرية، ويجعل من كل معرفة جسرًا نحو الإنسان الآخر، لا سورًا يُحيط به.
وفي بلدية الحازمية، حيث يشارك بفاعلية في العمل البلدي، يكتب روي حرب فصلاً آخر من فصول التغيير. لا يكتفي بالكلام، بل ينزل إلى الواقع، يتابع التفاصيل، يواكب احتياجات الناس، ويحمل رؤيته الثقافية إلى الحياة اليومية. فهو يؤمن بأن الكلمة التي لا تثمر خدمة وفعلاً، تبقى ناقصة.
وما بين رواية مؤجّلة بسبب أزمة اقتصادية، ومقال نقدي في “خدوني على قد عقلاتي”، ومداخلة إعلامية لا تشبه المجاملات المعهودة، يترك حرب أثرًا عميقًا في الثقافة اللبنانية المعاصرة. أثر لا يُقاس بعدد الكتب، بل بنوع الحبر: الحبر الذي يُستخرج من تجارب الإنسان لا من خزائن اللغة فقط.
روحه النقدية حاضرة بلا صخب، ومحبّته للفن ليست عابرة بل ملتزمة، كما بدا في مقالاته عن المسرح اللبناني، حيث يكتب وكأنه يواكب نبض الركح لا عرضه فقط. كأنّه يمسك بيد الجمهور ويقول له: “انظر… هذه لحظة إنسانية، لا تفوّتها.”
روي ج. حرب ليس صانع حكايات فقط، بل حارس للمعنى، ومؤمن بالفعل الثقافي كممر إلى الوطن الأجمل. كاتب يكتب كما يصلّي، بهدوء، بتأمّل، وبدراية بأن كل جملة قد تكون آخر ما يُقال في هذا العالم المبعثر. لذلك، حين نقرأه، نشعر أننا نعود إلى البيت… حتى لو كنا نقرأه في زحمة الطريق.
الإعلامية مايا إبراهيم





