مايا إبراهيم تكتب : رشيد النجار… حين يتكلّم الصوتُ بلهجة التراث
في زمنٍ تتكاثر فيه الأصوات وتضيع فيها الملامح، يخرج صوتٌ كرشيد النجار كأنّه يُعيد ترتيب النوتات على دفاتر الحنين، ويستحضر من ذاكرة الطرب ما كدنا نظنه انقرض. هو ابن المدرسة الأصيلة، والقدود الحلبية معه ليست مجرّد أغانٍ تُردَّد، بل حالة وجدانية تُقال من القلب وتسكن في القلب.
منذ خطواته الأولى، كان واضحًا أن هذا الصوت لا يشبه سواه. صقلته التجارب، وكرّسته المسارح نجمًا يعرف كيف يعيد توزيع النغمة فينا. فحين يغنّي “يا مال الشام” أو “تحت هودجها”، لا تسمع فقط صوتًا، بل ترى مدينةً كاملة تنهض من الرماد، بحاراتها ونوافذها المشرّعة على الزمن الجميل.
رشيد النجار ليس مغنيًا عابرًا على خشبات الغناء، بل حامل رسالة فنّية وجمالية. في أدائه تجد انضباط المدرسة الشامية، مع عفوية العاشق للطرب، وذكاء الحاضر الذي لا ينسى أصله.
يغني القدود وكأنه وُلد من رحمها. فلا يتكلّف، ولا يستعرض، بل يضع الصوت في خدمة الإحساس، ويُشعر المستمع أن الموسيقى لا تزال تعرف طريقها إلى الروح.
ما بين المسارح السورية والمهرجانات العربية، صارت بصمة رشيد النجار علامة فارقة. شارك في أمسيات طربية راقية من دمشق إلى بيروت، ومن حلب إلى عمّان ودبي، حيث حمل صوته خميرة التراث ووهج الأصالة. لم يكن حضوره في تلك المهرجانات ترفًا فنيًا، بل إثباتًا على أن المدرسة الشرقية لا تزال تنجب أصواتًا تشبه تربتها وتليق بتاريخها.
كما أطلّ عبر المنصّات الرقمية بمختارات غنائية لاقت تفاعلًا لافتًا، ونجح في تكوين قاعدة محبة صادقة من الجمهور الباحث عن النغمة النظيفة، والذوق العالي.
رشيد النجار هو ذلك الصوت الذي كلما غنّى، انفتح فينا شباكٌ على الزمن الأجمل.
هو وعدٌ بأنّ الطرب الأصيل لن يُطفئه غبار السوق، وأنّ القدود ما زالت قادرة على أن تُقال كما ينبغي… بصوت يُشبهها.
الإعلامية مايا إبراهيم





