مايا إبراهيم تكتب : رجاء ميقاتي الخليل… همسٌ إذاعيّ ونفَسٌ من خير

مايا إبراهيم تكتب : رجاء ميقاتي الخليل… همسٌ إذاعيّ ونفَسٌ من خير

في زمنٍ تتسابق فيه الأصوات نحو الضوء، اختارت رجاء ميقاتي الخليل أن تكون النغمة الخافتة التي تترك الأثر العميق في القلب. لم ترفع صوتها يومًا، بل رفعت السويّة. لم تسعَ إلى الشهرة، بل إلى خدمة الناس. ولم تكتفِ بالكلمة الطيّبة، بل صاغتها على هيئة برامج إذاعية كانت ولا تزال محطات مضيئة في أذن المستمع.

رجاء ميقاتي الخليل، الكاتبة والمنتجة ومديرة مؤسّسة التعاون الفنّي للإنتاج الإذاعي والتلفزيوني، كرّست حضورها لصياغة صوتٍ مختلف، وراكمت عبر الأثير تجربةً ناضجة أسّست لجسور بين الإذاعة والناس، بين الفكر والوجدان، بين الرسالة والذوق. اختارت طريق الصمت العارف، فكتبت برامج ثقافية، اجتماعية وتربوية، أغنت بها المكتبة الإذاعية في لبنان والدول العربية، وأعادت للميكروفون هيبته ومكانته في زمن التشتّت السمعي. لم تكتب للهوامش، بل للحقيقة، للوعي، للوجدان.

لكن الجانب الأجمل في مسيرتها لا يقتصر على الأثير. رجاء، تلك السيّدة الرصينة الصبورة، عرفت وجع الفقد حين خسرت شريك حياتها. لم تنهَر، بل نهضت من الحزن كمن يعرف أن عليه أن يُكمل الدرب، لا بنفسها فقط، بل بقلبٍ أكبر يتّسع لبناتها، اللواتي كبرن معها وبها، وسلكن دروبًا مشرّفة، تتألّق فيهن ملامح النُبل والنجابة التي غرستها فيهن أمّ لا تُشبه سواها.

ولأن العطاء في طبعها لا في وظيفة، اختارت أن تعمل في الخير بصمت، أن تمدّ يدها حيث لا يراها أحد، وأن تزرع دون أن تنتظر من يقطف. هي سيّدة الخير الخفي، التي تُحيي فينا الإيمان بأن الأثر لا يُقاس بحجمه بل بصدقه.

رجاء ميقاتي الخليل ليست فقط صوتًا إذاعيًا، بل ضميرًا حيًّا يشتغل في الخفاء، بنُبلٍ، برقيّ، وبحبّ حقيقيّ للبشر. امرأة لبنانية تُشبه الأرز في صموده، والياسمين في رقّته، والندى في سخائه. كريمة النفس، عالية الأخلاق، رصي??ة الحضور، ومحبوبة من كل من عرفها.

في زمن الضجيج، تبقى رجاء نغمة صافية. وفي زمن التصنّع، تبقى أصيلة. هي ليست اسمًا في شارة برنامج، بل حكاية امرأة جعلت من الميكروفون رسالة، ومن الحياة مساحة هادئة للعطاء . 
الإعلامية مايا إبراهيم