مايا إبراهيم تكتب : حين يغنّي الوطن بأصوات أبنائه… فرقة الفيحاء بقيادة باركيڤ
في طرابلس الفيحاء، حيث تتعانق مآذن المدينة القديمة مع قباب الكنائس، ويفوح من الأزقّة عطرُ العراقة، وُلدت فكرةٌ كانت أشبه بحلم صوتي… حلمٌ اسمه فرقة الفيحاء.
لكن هذا الحلم لم يكن ليشتعل لولا ذلك الرجل الذي لا يقف على خشبة المسرح، بل يقف خلف كل صوت ينبض… المايسترو باركيڤ تسلاكيان.
ذلك الذي لا يرفع عصاه الموسيقية فقط، بل يرفع معها قلوب الجوقة إلى مقامٍ أعلى، مقام النغم النبيل والتآلف العابر للطوائف واللهجات والحدود.
منذ تأسيسها عام 2003، لم تكن فرقة الفيحاء مجرد جوقة غنائية، بل حركة ثقافية، اجتماعية، وموسيقية ناهضة. أرادها باركيڤ جوقة أكابيلا عربية بامتياز – لا تحتاج إلى آلات كي تُدهشك، يكفيها صوت الإنسان، بكل ما فيه من صدق وجمال وقوّة.
تغنّت الفيحاء بتراث المدن والبوادي، من موشحات الأندلس إلى أناشيد العراق وأغاني الرحابنة، مرورًا بأحلام الشعوب التي عبّرت عنها بلغات العالم. ومع كل عمل، كانت تُثبت أن الفن ليس زينةً، بل صوت ضمير جماعي.
في كواليس البروفات، لا يقف باركيڤ كقائد متسلّط، بل كصديق، مربٍ، وعاشق للموسيقى. يعلّم بأصابعه، بعينيه، وبابتسامته التي تحتمل التعب دون أن تخونه الرسالة.
هو الأرمني اللبناني الذي فهم أن الفنّ أقوى من الحرب، وأنّ الهارموني يمكن أن يكون حلاً سياسيًا أيضًا، حين يجتمع المختلفون في نغمة واحدة.
فرقة الفيحاء صارت “البيت”، وباركيڤ صار “النبض”. من طرابلس إلى بيروت، ومن الشوف إلى القاهرة، وسّعت الفرقة قوسها الغنائي لتشمل العالم العربي، ولتُصبح اليوم واحدة من أبرز الجوقات في الشرق الأوسط، حاملةً جوائز دولية وشهادات اعتراف من مهرجانات كبرى.
لكن الإنجاز الحقيقي لا يُقاس بالميداليات… بل بذلك الشاب الذي جاء من بيئة متعبة، وغنّى بين صفوف الفيحاء فأضاء صوته حياته. أو بتلك الشابة التي وقفت على مسرح الأونيسكو لأول مرّة وهي تبكي، لأن صوتها كان مسموعًا أخيرًا.
فرقة الفيحاء ليست مجرد جوقة، بل مشروع ثقافي مقاوم، ومجتمع صغير يُشبه لبنان كما نحلم به: متعدّد، متكامل، يرفع بعضه بعضًا.
أما باركيڤ… فهو موسيقيٌّ لا يسعى إلى الشهرة، بل إلى أن يسمع العالم نغمتنا نحن… منّا، وبنا، ولنا.
الإعلامية مايا إبراهيم





