مايا إبراهيم تكتب : جيزيل هاشم زرد: أنثى تُضيء الحروف وتُعلِّم القلوب

مايا إبراهيم تكتب : جيزيل هاشم زرد: أنثى تُضيء الحروف وتُعلِّم القلوب

ليست جيزيل هاشم زرد مجرد اسم مرّ على مسابقة جمال أو برنامج تلفزيوني ذات يوم؛ إنها بصمة راسخة في ذاكرة الجمال اللبناني، ومرآة تعكس جوهر الأنثى المتصالحة مع فكرها، صوتها، ونداء رسالتها.

في عام 1974، وقفت جيزيل على منصة الجمال، شابة لم تتجاوز الثامنة عشرة من عمرها، وتحملت بحضورها الأنيق مسؤولية تمثيل لبنان في مسابقة ملكة جمال العالم. كان التتويج بداية القصة، لا خاتمتها. جمالها لم يكن عنوانًا عابرًا، بل بوابة عبور نحو ما هو أعمق: مشروع حياة تنسج فيه الجمال بالمعرفة، والمظهر بالمضمون.

من الجمال إلى الكلمة: إعلاميّة تُنصت للوجدان

لم تكن جيزيل لتستكين في ضوء الشهرة وحده، بل مضت بخطى واثقة إلى الإعلام، لا لتُشاهد فحسب، بل لتُحدّث وتُحدث فرقًا. اختارت مواضيعها بعناية، ناقشت القضايا الاجتماعية والإنسانية بلغة أنيقة، ونبرة دافئة. على شاشة “تيلي لوميار” وغيرها، كانت أكثر من مقدّمة برامج، كانت حاملة رسالة، وناقلة نور.

في كل حلقة، في كل مقال، كانت تسعى لشيء واحد: أن تجعل الكلمة جسراً بين الوعي والرحمة. كانت تؤمن أن الإعلام ليس فقط مرآةً للعالم، بل مرآة للذات أيضًا، وأن مهمته ليست نقل الخبر، بل التمهيد للتغيير.

على خشبة المسرح: حكواتيّة تصنع الغد

لكن شغف جيزيل لم يقف عند حد الشاشة. وجدت في المسرح، وتحديدًا مسرح الطفل، وسيلتها الأصدق لبناء الإنسان من جذوره. كتبت وأخرجت مسرحيات تُخاطب الطفولة بعين الأم وبصيرة المربية.
أشهرها “فيلما ومريم”، حيث جمعت في العرض بين المتعة والبُعد التربوي، وحاكت هموم الصغار بذكاء جعل الكبار يُنصتون معهم. لم تكن العروض مجرد ترفيه، بل ورشًا فكرية مفتوحة على أسئلة كبيرة: كيف نُربي؟ كيف نُصغي؟ كيف نُحب دون أن نؤذي؟

كانت تقول: “الطفل أمانة لبناء السلام.”
في عبارة واحدة اختصرت مشروعها كله.

الكاتبة التي لا تكتب فقط… بل تنبض

في كتاباتها، سواء كانت مقالات أو نصوص مسرحية، لم تسعَ جيزيل إلى التزيين اللفظي ولا إلى الترويج لذاتها. كانت تكتب لتُضيء، لتُنبه، لتُعري ما يُؤلم وما يُهمّش. تخاطب القارئ كما تخاطب طفلًا صغيرًا في عرضٍ مسرحي: بعين صادقة، وبصوت لا يُخيف بل يُوقظ.

كتاباتها كانت فعل شراكة مع القارئ، محاولةً لإعادة ترتيب الداخل في زمنٍ صار الخارج هو كل ما يُرى.

أثر لا يبهت

ما يميز جيزيل هاشم زرد ليس فقط تعدّد أدوارها، بل اتساقها الداخلي في كل ما تفعل. من ملكة جمال إلى إعلامية، من كاتبة إلى مخرجة مسرح، لم تتخلّ يومًا عن نغمتها الخاصة: البساطة الراقية، العمق النقي، والإيمان بأن الجمال رسالة.

أثرها باقٍ في الذاكرة الجماعية لمن عرفوها أو تابعوا أعمالها، وفي قلوب الأطفال الذين ضحكوا وتعلموا من مسرحها، وفي عيون الأمهات اللواتي وجدن في كلماتها صدى لقلقهنّ وحنانهنّ.

وفي الختام…

جيزيل هاشم زرد ليست فصلًا من كتابٍ مضى، بل صفحة ناصعة من حاضرٍ نحتاجه بشدّة. حضورها لا يُختزل في تاجٍ أو لقب، بل في ذلك الضوء الخافت الذي يرافق الحروف حين تُكتب بصدق، وفي ذلك الصوت الذي لا يعلو ليُسمَع، بل يهمس ليُحرّك.

هي مرآة المرأة المُثقّفة، الفنانة، المعلمة، التي آمنت أن الكلمة الطيبة يمكن أن تغيّر، وأن الفن النقيّ يمكن أن يُربّي.
الإعلامية مايا إبراهيم