مايا إبراهيم تكتب : الزمن الجميل وجد ملاذه… في بيت ناجي
في عالمٍ تتسارع فيه الصور وتُنسى التفاصيل، يطلّ ناجي حوّاط كصوتٍ هادئ يُصرّ على التمهّل، على التذكّر، على إعادة الحياة لمشاهد كان يُعتقد أنها اندثرت في زحمة النسيان. ليس هاويًا عاديًا، ولا مجرد جامعٍ للأشرطة، بل أمينُ ذاكرةٍ سمعيّة بصريّة نادرة، يختزن في قلبه ورفوفه ما يعجز أرشيف دولٍ بأكملها عن الاحتفاظ به.
بدأت الحكاية في سن الثانية عشرة، حين كان الطفل ناجي يُمسك بجهاز الفيديو ليُسجّل حفلاتٍ ومقابلاتٍ تلفزيونية لا لسببٍ سوى أنه أحبّها… واليوم، بعد مرور أكثر من ثلاثين عامًا، أصبح هذا الشغف مشروعًا متكاملًا اسمه “أرشيف الزمن الجميل”، يضمّ أكثر من 2500 شريط فيديو يحتوي على ما يزيد على 7500 ساعة من المحتوى النادر.
على قناته على يوتيوب وصفحاته على فيسبوك، تُطلّ علينا نجوى كرم في بداياتها، ويُغنّي وديع الصافي من فوق مسارح مهجورة، وتعود نيللي، وسمير صبري، وسميرة توفيق، وهدى حداد، وطروب… نعم، طروب، السيّدة التي ما إن يُرفع عنها غبار السنين حتى ينهض معها الفرح، وتعود الأغنية الخفيفة لتُشبه أرواحنا، ببساطتها وذكائها ومزاجها الصافي.
طروب، كما لم نرَها منذ زمن، يحتفظ ناجي بلقطاتٍ نادرةٍ لها، من حفلاتٍ مباشرة، ومقابلاتٍ لم تُعرض مجددًا، واستعراضاتٍ تسكن الذاكرة ولا تتكرّر. وجود طروب في أرشيفه ليس تفصيلًا عابرًا، بل تأكيدٌ على أن مشروعه لا يقتصر على النجوم الكبار بمعايير السوق، بل على الكبار بمعايير القيمة والفرح والتميّز.
لكن ما يجعل هذا الأرشيف أكثر من مجرد مكتبة ذكريات، هو الدقّة في التصنيف، والحنان في الانتقاء، والإصرار على الأمانة، إذ يرفض ناجي بيع أرشيفه رغم كل العروض، متمسّكًا بجملةٍ يكررها دائمًا: “مع الذكريات، اللذّة مضاعفة”.
هو لا يُمارس الأرشفة بوصفها واجبًا أو وظيفة، بل رسالة. ولهذا السبب تراه يُحوّل الأشرطة القديمة إلى صيغٍ رقمية، يُنقّي الصوت، يُعيد ترتيب المشهد، وكأنه يُعيد الزمن إلى إيقاعه النقي الأول.
فناناتٌ وممثلون تواصلوا معه يشكرونه لأنه أنقذ جزءًا من ذاكرتهم من الضياع، منهم مادونا، هويدا، ونهاد نجّار. والجميل أن جمهوره لا يقتصر على لبنان، بل يمتدّ إلى أكثر من خمسين دولة، يتابعونه بشغف، ويشاركونه حنينهم إلى البدايات.
في زمنٍ يلهث نحو الحداثة بلا هوية، يذكّرنا ناجي حوّاط بأن من لا أرشيف له… لا مستقبل له.
وأن الحنين، حين يتحوّل إلى مشروعٍ موثّق، يصبح جزءًا من الثقافة… ومن الحياة.
الإعلامية مايا إبراهيم





