مايا إبراهيم تكتب : إنصاف اليحياوي… وجه الإعلام التونسي الذي لا يشبه سواه
في زمنٍ تزدحم فيه الشاشات وتختلط فيه الأصوات، تبرز إنصاف اليحياوي كعلامة فارقة، بصوتها الهادئ ونبرتها الرصينة، تحمل عبء الكلمة وتجعل من الحوار فنًّا راقيًا لا يضاهيه ضجيج. ليست مجرّد مقدّمة برامج، بل سيّدة الشاشة التي جعلت من الكلمة جسرًا يصل بين الفكر والناس، ومن الكاميرا مرآة لثقافة تُحاور العالم لا تستهلكه.
وُلدت إنصاف في باردو، قلب العاصمة التونسية، لكن صوتها امتدّ إلى كل بيت تونسي وعربي. درست الحقوق والعلوم السياسية، ثم التحقت بمعهد الصحافة لتؤكّد أن اختيارها للكلمة لم يكن عشوائيًا، بل قدرًا مُؤسّسًا. دخلت عالم التلفزيون باكرًا، عام 1995، وكانت لا تزال تتابع دراستها الجامعية، واستطاعت أن تفرض حضورها بخطى ثابتة وإطلالة لا تهادن.
من “كنال 21” إلى “تونس 7”، ثم إلى “الوطنية الأولى”، لم تكن تلك مجرّد انتقالات مهنية، بل محطّات في بناء شخصية إعلامية تنحاز إلى العمق لا السطح، إلى الحوار لا الإثارة، وإلى الإنسان لا الصراعات. في برنامجها “قهوة عربي”، اختارت إنصاف أن تُنصت لا أن تتصدّر، أن تُحاور لا أن تُجادل. استضافت رموزًا من السياسة والثقافة والفكر، وكانت تسأل لا لتُحرج، بل لتُضيء؛ تسبر الأغوار وتترك للضيف فسحة ليقول، وللمشاهد متعة أن يكتشف.
في أبريل 2023، تمّ تعيينها مستشارة مكلّفة بالإعلام والاتصال لدى رئيس البرلمان التونسي، تكريمًا لكفاءتها وثقةً برؤيتها. ولعل هذا المنصب لم يكن نهاية مسيرتها الإعلامية، بل تتويجًا لمسارٍ طويلٍ جمع بين الحسّ المهني والوعي السياسي، وبين شغف الإعلام ورصانة الدولة.
ليست إنصاف اليحياوي إعلامية فحسب، بل صوتٌ أنثوي راقٍ في فضاء يعجّ بالصخب. امرأة تؤمن أن الإعلام ليس سلطة رابعة فحسب، بل مسؤولية وجدانية تجاه الوطن، وأن الصورة لا تكفي إن لم تُحط بكلمة، والكلمة لا تُثمر إن لم تكن صادقة.
إنصاف اليحياوي… إعلامية تُشبه وطنًا، في مخارج حروفها هدوء البحر التونسي، وفي نبرة صوتها ظلٌّ قرطاجي، وفي حضورها إصرار امرأةٍ تعرف تمامًا متى تتكلّم… ومتى تُصغي .
الإعلامية مايا إبراهيم






