مايا إبراهيم تكتب :  أنور الياسري… رجل الحكاية التي لم تنته

مايا إبراهيم تكتب :  أنور الياسري… رجل الحكاية التي لم تنته

في عالمٍ يتسارع على حساب العمق، ويُفضّل السطح على الجوهر، يطلّ أنور الياسري كعلامة فارقة لا تُشبه أحدًا. ليس مجرّد اسمٍ في المشهد الإعلامي، بل حالة إنسانية وفكرية تتجاوز حدود المهنة والمناصب، لتلامس جوهر الرسالة.

ابن العراق، وابن الحلم المتنقّل، أنور هو ذاك الذي لم يُغادره الوطن رغم المسافات، فحمله في داخله كصوت لا يخفت، وكقضية لا تسقط بالتقادم. لا يكتب تاريخه بالأضواء أو الألقاب، بل ينسجه من رؤية متينة، وإيمانٍ عميق بأن الفنّ موقف، وأن الصورة كلمة، وأن الصوت مسؤولية.

من يلتقيه يُدرك سريعًا أنه أمام رجلٍ يزرع الهيبة بالسكينة، ويصنع التأثير بالصمت الذكي لا بالضجيج. عيناه تشعّان بما هو أبعد من المشهد، وأحاديثه تقود نحو الأسئلة لا نحو الإجابات الجاهزة. هو بوصلة تسعى إلى المعنى، وتؤمن بأن الطريق الأجمل لا يُرصف إلّا بالصدق.

بالنسبة إليه، الإبداع لا يُصطنع ولا يُفتعل، بل يُولد من الداخل، من حرارة الإخلاص للفكرة، ومن الانحياز التام إلى الإنسان. لا ينجذب إلى الظواهر العابرة، بل يغوص مباشرة إلى الجوهر، هناك حيث تنبض الحكاية بحقيقتها.

أنور الياسري هو ذاك الذي إذا حضر، حضر التوازن. لا يعلو صوته إلّا حين تستدعيه قضية، ولا يخفت حضوره حتى وهو في الظل. يعرف أن القوّة لا تكمن في رفع الصوت، بل في القدرة على جعل الناس تُصغي حين يتكلّم. يُقنع بالصمت، ويُلهم بالفعل.

هو أكثر من مخرج، وأكثر من قائد لمؤسسة. إنّه مشروع ثقافي–إنساني يمشي على الأرض، بثباتٍ بين الماضي والمستقبل، حافظًا لذاكرة لا تنام، وساعيًا دومًا نحو ضوءٍ لا يخبو.

في زمنٍ يُكثر فيه العابرون، يبقى أنور الياسري واحدًا من القلائل الذين لا يمرّون فحسب، بل يزرعون أثرًا.
الإعلامية مايا إبراهيم