مايا إبراهيم تكتب : أندريه داغر… حين يتحوّل الصوت إلى مرآة للذوق والمصداقية
في زمنٍ اختلط فيه الكلام بالضجيج، يطلّ أندريه داغر كصوتٍ نقيّ لا يهادن، يحمل المايكروفون كما يحمل الكاتب قلمه: بضميرٍ حيّ وإحساسٍ عالٍ بالمسؤولية. إعلامي لبناني بامتياز، جمع بين الثقافة والرقيّ، وبين النقد الفني المحترف والحوار الهادئ الذي يُشبه صاحبه.
عرفه المستمعون من خلال إطلالاته الإذاعية المتعدّدة عبر أثير صوت لبنان، حيث يشارك في تقديم برامج متنوعة منها: “عالموجة سوا”، “Clinique”، “Interview”، “Weekend بالألوان”، لكنّه أطلّ بأسلوبه الخاص والصادق في برنامجه الأبرز “الحكي فنّ”، الذي حمل توقيعه الشخصي، فكان صوتًا نقديًّا راقيًا، ومساحة حرّة للفن والإبداع.
في “الحكي فنّ”، لم يكن مجرد مذيع يطرح الأسئلة، بل ناقدًا يُمسك بخيوط الإبداع ويضيء على الجواهر الفنية دون مجاملة. استطاع أن يبتكر مساحة راقية للفن والفنانين، محاورًا بلباقة، ومحللاً بموضوعية، وناقدًا دون أن يجرح، فصنع لنفسه مدرسة في الإعلام الفني قائمة على الاحترام والذوق والمعرفة.
لم يأتِ هذا الحضور من فراغ، بل من تراكم خبرات بدأها منذ سنوات في الصحافة المكتوبة، حيث كتب في عدد من المجلات الفنية اللبنانية والعربية، وكان دائمًا يوقّع مقالاته برؤية ناقدٍ حقيقي، لا بمزاج متقلّب. سافر في أكثر من تجربة إعلامية بين المسموع والمكتوب والمرئي، محافظًا على خطّه المهني الذي لا يتنازل عن احترام المتلقّي، ولا يجامل على حساب الحقيقة.
ولأن البوصلة لا تخطئ أصحابها، اختير أندريه داغر ليكون عضوًا في لجنة تحكيم جائزة “الدراما العربية” في مصر، وعضوًا أيضًا في لجنة تحكيم برنامج “الزمن الجميل”، الذي يحتفي بكبار النجوم الذين صنعوا العصر الذهبي للفن. هناك، أثبت أن النقد الحقيقي لا يحتاج إلى قسوة، بل إلى علم وإنصاف وإحساس، فكان صوت العقل والذوق في برنامج يُعيد الاعتبار لقامات فنية أثّرت في الوجدان العربي.
كرّمته مؤسسات ثقافية وفنية عديدة، بينها “أوسكار المبدعين العرب” و”أرض المبدعين”، وكان كل تكريم بمثابة تحية لرجل آمن أن الكلمة مسؤولية، وأن الإعلام ليس شهرة بل موقف. وقد عبّر ذات مرة قائلاً:
“أكبر تكريم بالنسبة لي هو احترام الناس لصدقي… الإعلام مش مهنة عابرة، الإعلام أمانة.”
بعيدًا عن الإذاعة والكتابة، يعرفه أصدقاؤه بشغفه بالموسيقى والمسرح، وبقربه من الفنانين الشباب الذين يساندهم بكلمة صادقة أو مقال داعم، دون انتظار مردود أو مصلحة. في لقاءاته، يُصغي أكثر مما يتكلم، وعندما يتكلم، تشعر أن صوته مكتمل بالتجربة، لا بالصدى.
في زمن تبدّلت فيه المقاييس، ظلّ أندريه داغر وفيًا لمبادئه، لم يُسلّم صوته لرياح المصلحة، ولم يغيّر قناعاته ليرضي جمهورًا عابرًا. هو الإعلامي الذي يصغي، لا ليقاطع، بل ليُصيب. يكتب لينوّر، لا ليُزايد.
⸻
إنه أندريه داغر… من القلة الذين منحوا الإعلام شيئًا من الجمال، ووهبوا الفنّ لمسة من الإنصاف.
الإعلامية مايا إبراهيم










