مايا إبراهيم تكتب : أنجيليك مونّس ... حين يصير الصوت حكايةَ وطن
في زمنٍ تتغيّر فيه الوجوه سريعًا على شاشات التلفزة وموجات الأثير، تظلّ بعض الأسماء محفورة في الذاكرة، لا تُمحى ببريقٍ عابر أو موضةٍ إعلامية. أنجيليك مونس واحدة من هذه الأسماء؛ سيدةٌ لم تدخل الإعلام صدفة، بل بشغف العارفات، وبتوق العاشقات للكلمة والضوء، ولأن تُصغي إلى الناس لا لتُقاطعهم، بل لتُصغي حقًا.
من لقب ملكة جمال لبنان إلى وقار الشاشة والصوت، خطّت أنجيليك مسارًا فريدًا، اختارت فيه أن تجمع بين الجمال والمعرفة، بين الحسّ الإنساني والبُعد الثقافي. لم تركن إلى شهرة شكلية، بل خاضت مع الإعلام معركة العمق، ووضعت لنفسها بصمةً لا تشبه سواها.
انطلقت من تلفزيون لبنان في أواخر الثمانينات، حين كانت الكاميرا لا تزال تُجلّ الكلمة، وقدّمت برامج وثائقية صنعت ذاكرةً مرئية لروّاد الفن والثقافة: عاصي الرحباني، فيلمون وهبي، نزار قباني… أسماء كبيرة عرّفت بها الجمهور بأسلوب رشيق وحنون، فيه من الاحترام بقدر ما فيه من الودّ.
ثم امتدت رحلتها إلى الصحافة المكتوبة، فعملت مع دار الصياد، حيث برهنت أن قلمها لا يقلّ حضورًا عن صوتها. وبين المرئي والمكتوب، وجدت مونس في الإذاعة ملاذًا دافئًا لصوتٍ يعرف كيف يُربّت على الروح. في برنامجها “عالهوا سوا” عبر إذاعة لبنان، تحوّلت إلى جسر إنساني بين الضيف والمستمع، تُضيء من خلاله على الوجه الآخر للشخصيات، فتستخرج منهم القصص والتفاصيل لا التصريحات الجاهزة.
لكن أنجيليك ليست فقط إعلامية بارعة، بل امرأة تقرأ زمنها بعينٍ يقظة. في مشاركتها بلجنة تحكيم الـ*“موريكس دور”*، لم تكتفِ بدورٍ بروتوكولي، بل كانت تُواكب الجديد، تسأل، تبحث، تطرح رأيًا، وكأنها تقول: “المهنة لا تشيخ إن كان الشغف حيًا”.
ولأنها ابنة بلدٍ لا يتوقّف عن اختبار الصعاب، رفعت مونس شعار “المقاومة الفنية”. ففي وجه القبح، تمسّكت بالفرح كخيار، بالفن كوسيلة للبقاء، بالكلمة كجبهة أخيرة للدفاع عن جمال لبنان.
أنجيليك مونس اليوم، ليست فقط ذاكرة إعلامية حيّة، بل أيقونة أنثوية راقية، أثبتت أن الرصانة لا تلغي الأنوثة، وأن العذوبة لا تتنافى مع الذكاء. ما تزال تطلّ على جمهورها بمحبة الأم، وفضول التلميذة، وحنكة الأستاذة.
في عالمٍ يزدحم بالأصوات، يظلّ صوت أنجيليك مونس مختلفًا… لأنّه لا يعلو، بل يحتضن.
الإعلامية مايا إبراهيم





