مايا إبراهيم تكتب : أمية لحود… حين يصبح الفنُّ تربيةً، والقلبُ خشبةَ مسرح
أمية لحود ليست مجرّد ممثلة عبرت الشاشات، بل وجدانٌ ناطق بلغة المسرح والقلب. امرأة حملت الفنّ كما يُشعل المصباحُ في ليلٍ طويل، وأضاءت دروب أجيالٍ كاملة بالكلمة والموقف والإضاءة التربوية.
وُلدت في حضن لبنان الذي أحبّته وارتبطت بقضاياه، فكانت أكثر من فنانة… كانت وجهًا من وجوه الالتزام الهادئ. ومنذ بداياتها، لم تتعامل مع التمثيل كمهنة، بل كرسالة ومسؤولية، وكأنها وُضعت على الخشبة لتعلّم وتنمّي، لا لتُمثّل فحسب. على مدى أكثر من أربعة عقود، عملت منسّقةً للفنون في وزارة التربية، وأسّست خلالها فرقة مسرحية شبابية كانت مساحة تربوية وفنية نادرة في زمنها.
عُرفت بين طلابها بـ”ماما أمية”، تدرّب على الأداء كما تغرس القيم، تُصحّح النطق كما تُهذّب التعبير، وتُعلّم أن كل جملة مسرحية قد تكون بذرة لولادة إنسانٍ ناضج.
لم يكن الفن بالنسبة لها وسيلة للشهرة، بل مساحة صادقة لغرس المبادئ. لذا اختارت أدوارًا محافظة، ورفضت الأدوار الجريئة رغم الإغراءات. قدّمت أدوار الخادمة بكثير من الكرامة، وجسّدت الأمّ بإخلاص مَن عرفت معنى الأمومة تجاه وطنٍ وأبناء وطلاب.
في رصيدها أكثر من ٩٠ عملًا تلفزيونيًا وسينمائيًا، من أحلى بيوت راس بيروت وكابتن بوب، إلى حنين الدم ورصيف الغرباء. وكانت دومًا الحضور الصادق خلف الدور، ممثلة لا تتصنّع ولا تستعرض، بل تعيش كل شخصية وكأنها امتدادٌ لتجربتها الإنسانية.
كرّمتها عشرات الجهات الثقافية والتربوية في لبنان والخارج، لكنها كانت تعتبر أن أعظم تكريم نالته هو محبّة الناس. كانت تقول: “درعي الحقيقي محبّة الناس، لا شيء يعلو فوقها”، وهذا الدرع ظلّ يلمع في قلبها، تمامًا كما ظلّ صوتها الدافئ يهمس على الخشبة بأملٍ لا يشيخ.
لم تكتفِ بالمسرح، بل عبّرت أيضًا على الورق. ألفت كتبًا متنوّعة، من قضيتي وطني، إلى مؤلفات في الفكر والفلسفة والصحة، منها الصوم علاج كل الأمراض. كتبت كما تعيش: بصدق، وتأمّل، والتزام.
اليوم، في زمنٍ تتغيّر فيه القيم وتتسارع فيه الوجوه، تبدو أمية لحود كصوتٍ من الزمن الذي كان يرى في الفن رسالة لا عرضًا عابرًا.
ليست مجرّد فصل في كتاب الفن اللبناني، بل واحدة من صفحاته التي لا تُطوى، وذاكرة تمشي بيننا، تهمس لنا كلّ يوم أن الفنّ الأصيل لا يشيخ… بل يزهر مع الزمن، تمامًا كما هي.
الإعلامية مايا إبراهيم





