مايا إبراهيم تكتب : آمال سعد الدين… حين يكون الصوتُ نبضًا والتمثيلُ ظلَّ روح
ليست آمال سعد الدين مجرّد فنانة مرّت في الدراما السورية بصمتٍ عابر، بل هي امرأة حملت في صوتها سحرَ الأداء، وفي ملامحها صدقَ التجسيد، وفي غيابها حضورًا لا يُنسى.
صاحبة الصوت الذي كبر مع جيلٍ كامل في “المحقق كونان”، ورافق خيالات الطفولة من “بوكيمون” إلى “سونك” و”دورايمون”، لم تكن تُقدّم أداءً صوتيًا فحسب، بل كانت تهب الحياة للرسوم، وتجعل من كلّ شخصيةٍ عالمًا نابضًا بالتفاصيل والانفعالات. صوتها وحده كان مدرسة، في الإلقاء، في الإحساس، وفي الذكاء.
لكنّ آمال لم تُحبس خلف الميكروفون. هي ابنة المعهد العالي للفنون المسرحية في دمشق، ووجدانها المسرحي ظلّ حاضرًا في كلّ شخصيةٍ جسّدتها على الشاشة، سواء في الكوميديا العبقرية “ضيعة ضايعة” بدور “بديعة”، أو في الأعمال الدرامية التي انتمت لها بشغف، مثل “العوسج”، و”البحث عن صلاح الدين”، و”حارس القدس”، و”كونتاك”، و”ببساطة”، وغيرها من المحطات التي أثبتت فيها أن التمثيل ليس مجرّد مهنة، بل مسارٌ من الصدق والانتماء الفني.
وفي مسلسل “نظرة حبّ”، ورغم قلّة مشاهدها، تركت آمال بصمة واضحة. بدورٍ خاطف، استطاعت أن تمنح الشخصية عمقًا وحنينًا، كأنّها كانت تنسج للحكاية ظلًّا من شعورٍ لا يُنسى، لتُثبت مرة أخرى أن التأثير لا يُقاس بعدد اللقطات، بل بصدق الحضور.
في حياتها الشخصية، اختارت شريكًا من عالمها، الممثل والمسرحي قاسم ملحو، وشاركا معًا حياةً توازن بين الفنّ والعائلة، أنجبا فيها ابنتين، ونسجا بيتًا يُشبههما: دافئ، عاقل، مملوءٌ بالحبّ والبساطة.
آمال سعد الدين ليست ممن يركضون وراء الضوء، بل ممن يُضيئون من الداخل. اعتكفت عن الإعلام طويلاً لأنها تؤمن أن العمل هو ما يروي، وأن الصدق وحده كفيل بأن يترك الأثر. لكنها حين تعود، تعود بنصٍ قوي، أو بدورٍ يُشبهها، أو حتى بصوتٍ نشتاقه من بعيد، كأنه ذاكرة الطفولة وهمس الذكاء في لحظة واحدة.
وفي الكواليس، لمن يعرفها عن قرب، تبقى آمال تلك المرأة خفيفة الظل، بيضاء القلب، تحمل تواضعًا فطريًا، ومحبّة صافية للآخرين. لا تتكلّم كثيرًا، لكن حضورها يملأ المكان. صادقة في مشاعرها كما هي على الشاشة… لا تتصنّع ولا تُجامل، بل تمنح من حولها جرعة من الدفء لا تُنسى.
في زمنٍ كثر فيه الضجيج، تبقى آمال سعد الدين أشبه ببوصلةٍ هادئة، لا تضلّها البهرجة، ولا تُغرِيها الفُرَص المجانية. هي تعرف من أين جاءت، وتعرف أين تضع خطوتها التالية.
وحين يُكتب تاريخ الفنّ السوري، سيكون صوتها حاضرًا، لا في الهامش، بل في صلب الحكاية.
الإعلامية مايا إبراهيم





