​عثمان الشويخ يكتب: من طهران إلى كاراكاس.. "فتوة" العالم يفرض قانون الغاب

​عثمان الشويخ يكتب: من طهران إلى كاراكاس.. "فتوة" العالم يفرض قانون الغاب



​من جديد، نؤكد ما هو مؤكد، ونعيد قراءة المشهد الذي حذرنا منه بالأمس القريب. حين تحدثنا عن التدخل السافر للولايات المتحدة ورئيسها "ترامب" وممارسة دور الوصاية على الشعوب، لم نكن نرجم بالغيب، بل كنا نقرأ واقعاً مريراً يتجسد اليوم في أبشع صوره.

​لقد استيقظ العالم اليوم على وقع مشهد يجسد "العنجهية الأمريكية" في أقصى تجلياتها؛ ضرب فنزويلا واختطاف رئيسها وزوجته من قلب القصر الرئاسي في "كاراكاس". هكذا، وببساطة يندى لها جبين الإنسانية، تضرب واشنطن بكافة القوانين والتشريعات والمواثيق الدولية عرض الحائط.

​إن ما يحدث اليوم يتجاوز مجرد التدخل، بل هو استباحة كاملة لسيادة الدول؛ فالولايات المتحدة قررت بمنطق "الفتوة" أنها هي من يحدد من هو الرئيس المنتخب ومن هو غير ذلك. هي من تقرر تبديل الرؤساء وتغيير الأنظمة وفق أهوائها ومصالحها، كما نرى في محاولة ترامب فرض المعارضة "ماتشادو" كحاكم لفنزويلا بدلاً من رئيسها، ضارباً بإرادة الشعب الفنزويلي عرض الحائط.

​أين هي القوانين الدولية؟ أين المنظمات التي تتشدق بالشعارات ليل نهار بالحديث عن الحريات وحقوق الإنسان، بينما تنتفخ وتحمر أنوف مثقفينا دفاعاً عن أمريكا باعتبارها قلعة الحريات؟ الحقيقة التي لم تعد تقبل التجمل هي أن كل هذه الشعارات "بضاعة وهمية" تبيعها واشنطن للعالم، بينما الواقع يؤكد أن هذه المنظمات والقوانين لا تُطبق إلا على الدول الضعيفة، ولا يلقي لها بالاً إلا المستضعفون في الأرض الذين يدفعون ثمن هذه الغطرسة.

​أمريكا اليوم، بكل جليّة، تتقمص دور "الفتوة" في روايات أديبنا الكبير نجيب محفوظ؛ الفتوة الذي لا يعترف بالحق بل يفرض إرادته بالنبوت وفرض الاتاوة، وينهب المقدرات ويذل الرقاب وسط صمت عالمي مخزٍ. نحن يا سادة، لا نعيش في عصر "النظام العالمي الجديد"، بل نعيش في "قانون الغاب".

​انظروا حولكم لتروا نتاج هذه السياسة: دمار العراق، تمزيق سوريا، استنزاف لبنان، إبادة فلسطين، وتفتيت السودان والصومال. كل هذه الدماء والخراب هي "ماركة مسجلة" للتدخلات الأمريكية التي لا تترك أرضاً دخلتها إلا وحولتها إلى حطام.

​أمريكا تفعل ما يحلو لها؛ تمارس القرصنة السياسية باختطاف رئيس وزوجته، تقتحم سيادة الدول، وتضع عينها على "النفط" ومقدرات الشعوب، والحجج دائماً جاهزة ومغلفة بـ "ذرائع واهية". فتارةً يدعون حماية المتظاهرين السلميين في إيران، وتارةً يزعمون أن رئيس فنزويلا يهرب المخدرات.. تبريرات تكشف زيف "غول الهيمنة الأمريكية" الذي يريد السيطرة على العالم بالترهيب.
​إن العالم يتجه بخطى متسارعة نحو الهاوية، وما حدث في كاراكاس هو رصاصة الرحمة على ما كان يُسمى "الشرعية الدولية". فالخلاصة أن السيادة لم تعد كلمة لها وزن في القاموس الأمريكي، وحقوق الإنسان ليست سوى "ستار" لنهب الثروات وفرض الاتاوت فهل يستفيق العالم قبل أن يبتلع "الفتوة" الجميع؟