عثمان الشويخ يكتب "أوان التحرير": هل القائمة المغلقة "تعيين" يقتل حرية الاختيار؟
حان الوقت لفتح نقاش جدي حول مستقبل الحياة النيابية في مصر، وتحديداً ذلك النصف المخصص للانتخاب بنظام القائمة المطلقة المغلقة. فبينما يرى البعض أن هذا النظام يضمن استقرار التشكيل البرلماني، يتعاظم الشعور الشعبي، وتتفق معه قطاعات واسعة من المعارضة، بأن هذا النصف من المجلس أشبه بـالتعيين المقنّع، مما يهدد جوهر العملية الديمقراطية القائم على حرية اختيار المواطن.
التطبيق يُشوّه النوايا
الإشكالية الحقيقية لا تكمن في النظام الانتخابي في حد ذاته، بل في التطبيق العملي الذي أفرز تهميشًا واضحًا للتعددية. نظام القائمة المغلقة، الذي يفوز فيه الائتلاف الحزبي الحاصل على الأغلبية بكل المقاعد، حتى بفارق ضئيل، أدى إلى إغلاق المجال السياسي أمام القوى الصغيرة والمستقلين.
وتتفاقم هذه الأزمة عندما يتحول نظام القائمة المطلقة المغلقة من نظام تنافسي (وإن كان إقصائياً بطبعه) إلى نظام شبه توافقي مفروض. نجد أن الترتيبات السياسية، أو العوائق اللوجستية والمالية، تؤدي إلى ترشح قائمة واحدة فقط. وفي هذه الحالة، تنتقل القائمة المطلقة المغلقة من مفهوم الانتخاب إلى مفهوم الفوز بالتزكية، حيث يكفي لنجاح القائمة الوحيدة الحصول على الحد الأدنى البالغ 5% من أصوات الناخبين المقيدين. هذا الشرط يُعتبر شكلياً ولا يُشكل عائقاً حقيقياً، ليصبح نصف مقاعد المجلس فعلياً نتاج قائمة لم تُعطَ للناخب فرصة المقارنة أو الاختيار بينها وبين غيرها. هذا المسار لا يقتل حرية الاختيار فحسب، بل يُؤكد على أن هذا الجزء من المجلس أشبه بـ"التعيين" مُسبق الإعداد، مما يُفرغ العملية الانتخابية من معناها الأساسي.
وفي المقابل، يظل النظام الفردي هو المنفذ الأخير الذي يمنح المواطنين فرصة حقيقية للتعبير عن آرائهم واختيار مرشحيهم بناءً على رصيدهم الخدمي وقدرتهم على تمثيل دوائرهم، كما يتضح من معارك انتخابية شرسة في دوائر مثل أسيوط الرابعة (أبوتيج وصدفا والغنايم)، حيث ما زال رصيد الشارع يتفوق على النفوذ الحزبي المفروض.
نداء للعودة إلى الأصل: الفردي أولاً
الأمر يدفع للتساؤل: أليس من الأفضل أن تعود الانتخابات إلى سابق عهدها؟ أو على الأقل، أن يتم التخفيف من هيمنة نظام القائمة المطلقة؟
في ظل مشهد سياسي يتفق فيه الجميع على دعم الدولة والقيادة السياسية، يبرز التناقض بين هذا الإجماع وبين نظام انتخابي يكرّس الهيمنة لحزب أو تحالف بعينه. ففكرة أن يكون نصف المجلس النيابي نتاج "قوائم جاهزة" تُفرض على الناخب، تُفقد البرلمان دوره الرقابي وتجعله مجرد "قاعة تصفيق" على حد وصف بعض المراقبين.
هذا التكريس يتجاهل مخرجات "الحوار الوطني" التي نادت بتبني نظام القائمة النسبية المفتوحة، الأكثر عدالة في التمثيل، والتي تتيح للأحزاب الصغيرة والمعارضة فرصة للمنافسة، وتحد من نفوذ المال السياسي.
رئاسة للجميع.. وتمثيلٌ للجميع
لقد أكد الرئيس عبد الفتاح السيسي مراراً أنه رئيس لجميع المواطنين، ولا يتبع حزباً سياسياً معيناً. هذا الموقف الوطني يضع عبئاً أكبر على عاتق المشرّعين: يجب أن يكون التمثيل النيابي انعكاساً حقيقياً لهذه الرؤية، لا أن يُدار وفق قواعد تضمن هيمنة حزبية مسبقة.
إن إلغاء نظام القوائم المغلقة، أو استبداله بنظام أكثر تمثيلاً وعدالة، لم يعد مجرد مطلب للمعارضة، بل هو ضرورة لإحياء الحياة السياسية والحزبية، وضمان أن يكون صوت كل مواطن في الصندوق مؤثراً وحراً، ليكون البرلمان بحق، ممثلاً للأمة والدولة كلها.





