عاطف طلب يكتب: الشرق الأوسط على حافة الانفجار
لم يعد التوتر بين إسرائيل وإيران مجرد صراع سياسي تقليدي أو حرب تصريحات عبر المنابر الإعلامية، بل تحول خلال الأشهر الأخيرة إلى مواجهة مفتوحة متعددة المستويات، تتداخل فيها الحسابات العسكرية مع المصالح الاقتصادية، وتتشابك فيها رسائل الردع مع مخاوف الانفجار الإقليمي الشامل. فالمشهد الحالي في الشرق الأوسط يبدو أقرب إلى اختبار قوة طويل، قد يعيد رسم توازنات المنطقة لسنوات قادمة.
التصعيد الأخير كشف أن قواعد الاشتباك القديمة لم تعد قائمة كما كانت. الضربات العسكرية المتبادلة، سواء المباشرة أو عبر حلفاء إقليميين، تشير إلى انتقال الصراع من مرحلة “حرب الظل” إلى مرحلة أكثر وضوحًا وخطورة، حيث لم تعد العمليات تقتصر على ساحات بعيدة أو مواجهات غير معلنة، بل أصبحت جزءًا من واقع سياسي وعسكري يومي.
إسرائيل، التي ترى في البرنامج النووي الإيراني تهديدًا وجوديًا، تسعى إلى فرض معادلة ردع تمنع طهران من الاقتراب أكثر من امتلاك قدرات استراتيجية متقدمة. في المقابل، تحاول إيران تثبيت حضورها الإقليمي وإثبات قدرتها على الرد، ليس فقط عبر أدواتها العسكرية المباشرة، بل أيضًا من خلال شبكة حلفائها المنتشرين في أكثر من ساحة بالمنطقة.
اللافت في هذا التصعيد هو اتساع رقعة التوتر لتشمل مسارات اقتصادية حساسة، وعلى رأسها أمن الطاقة والملاحة الدولية، خاصة مع تصاعد القلق حول مضيق هرمز وتأثير أي اضطراب فيه على أسعار النفط وسلاسل الإمداد العالمية. وهو ما جعل الأزمة تتجاوز حدود الإقليم لتصبح ملفًا دوليًا بامتياز.
الولايات المتحدة بدورها تقف في موقع بالغ الحساسية؛ فهي تسعى إلى دعم حلفائها والحفاظ على توازن الردع، دون الانزلاق إلى حرب شاملة قد تفتح جبهات متعددة يصعب احتواؤها. لذلك تبدو التحركات الأمريكية مزيجًا بين الضغط العسكري والبحث عن مخرج دبلوماسي يمنع الانفجار الكامل.
ورغم التحذيرات الدولية المتكررة والدعوات إلى التهدئة، فإن المؤشرات الحالية لا توحي بقرب نهاية التصعيد، بل تشير إلى مرحلة شدّ وجذب قد تستمر لفترة، تحكمها حسابات دقيقة لكل طرف: كيف يرد دون أن يشعل حربًا واسعة؟ وكيف يحافظ على هيبته دون تجاوز نقطة اللاعودة؟
في النهاية، يبقى الشرق الأوسط أمام مفترق طرق حقيقي؛ فإما أن تنجح الدبلوماسية في إعادة ضبط الإيقاع واحتواء المواجهة، أو يدخل الإقليم مرحلة جديدة من الصراعات المفتوحة، ستكون تداعياتها أبعد بكثير من حدود الجغرافيا السياسية، وتمتد آثارها إلى الاقتصاد العالمي واستقرار النظام الدولي بأكمله.





