أوقاف سوهاج توكد  "الثأر.. جرح لا يندمل في جسد المجتمع"

أوقاف سوهاج توكد  "الثأر.. جرح لا يندمل في جسد المجتمع"

سوهاج ممدوح القعيد 

تشهد بعض محافظات الصعيد بين الحين والآخر حوادث دامية تندرج تحت ما يُعرف بـ"الثأر"، تلك العادة الجاهلية التي ما زالت تفرض نفسها على بعض العقول، رغم ما يشهده المجتمع من تطور في الوعي، وسيادة القانون، وتعاليم الدين السمحة.

ومؤخرًا، شهدت محافظة سوهاج حادثة جديدة أودت بحياة شاب بريء، في حلقة جديدة من سلسلة العنف الثأري، لتُعيد إلى الواجهة مشاهد الحزن، وأصوات البكاء، وقلوب الأمهات المكسورة، وكأن الزمن لم يتغير.

الثأر ليس عدلًا، بل هو انتقام أعمى، لا يفرّق بين مذنب وبريء، يُحوّل الأسر إلى ساحات حرب، ويترك خلفه دموعًا لا تجف، وأرواحًا مشروخة، وقلوبًا يتوارثها الغضب والكراهية جيلاً بعد جيل.

الدين الإسلامي الحنيف جاء ليحقن الدماء لا ليسفكها، ووضع القصاص العادل بيد الدولة وليس بيد الأفراد، فقال تعالى: "وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ"، وأعلى من شأن العفو والإصلاح، فقال: "فمن عفا وأصلح فأجره على الله".

وفي تصريح خاص، قال الدكتور محمد أبو سعدة، وكيل وزارة الأوقاف بسوهاج:

> "إن ما يحدث باسم الثأر جريمة في حق الدين والمجتمع، والإسلام لا يعرف هذا المنطق الجاهلي الذي يستهين بالنفوس، ويعبث بأمن الناس، بل يدعو إلى التسامح، والاحتكام إلى شرع الله، وترك القصاص للسلطة القضائية وحدها. إن من يقتل تحت دعوى الثأر لا يدرك أنه يرتكب كبيرة من الكبائر، ويعرض نفسه وأسرته لسلسلة لا تنتهي من الدماء".

وأكد الدكتور محمد أبو سعدة، وكيل وزارة الأوقاف بسوهاج، أن الوزارة لا تدّخر جهدًا في توعية المواطنين بخطورة الثأر، من خلال دورها الدعوي والتثقيفي في المساجد، حيث يُوجَّه الأئمة والدعاة إلى التركيز على القيم الإسلامية التي تحث على العفو، وإصلاح ذات البين، وبيان حرمة الدماء، مستشهدين بقول الله تعالى: "فمن عفا وأصلح فأجره على الله"، وقوله سبحانه: "ولا تقتلوا النفس التي حرّم الله إلا بالحق".

وأشار إلى أن الوزارة تدعم كل المبادرات المجتمعية التي تسعى إلى وأد الفتن وحقن الدماء، وتنسق – حيثما دعت الحاجة – مع العُمد والمشايخ والعقلاء؛ لنشر ثقافة التسامح، وإبراز مكانة العفو في الإسلام، مؤكدًا أن التصدي للثأر لا يتم إلا بتعاون الجميع: الدولة، والعلماء، والإعلام، والمجتمع المحلي.

إن المجتمع في أمسّ الحاجة اليوم إلى وقفة صادقة وجادة، يقودها العلماء والعقلاء والمصلحون، لتجفيف منابع الثأر، ودفن هذه العادة الجاهلية تحت تراب الوعي، ومبادئ الدين، وقيم المحبة والرحمة.

فلنحلم جميعًا بغدٍ لا مكان فيه لجرائم الثأر، بل تُزيَّن فيه الصحف بعناوين من نوع: "صلح ينهي خصومة عمرها عشرون عامًا"، أو "أُسرة تعفو وتحقن دماء المستقبل". فهذا هو الانتصار الذي يستحق الاحتفال، وهذه هي البطولة التي يجب أن يُحتذى بها في وطن نحتاج فيه إلى كل يد تبني، لا يد تُريق دمًا.