مايا إبراهيم تكتب : نوفل شمعون… صوتٌ من الجذور، يصدح في المنافي
حين يُذكَر الفن الذي لا يتقادم، يُذكَر نوفل شمعون، ذاك العاشق الأزلي للنغم، الذي حمل وجع الشرق ومجد حضارته في صوته، وسار بهما إلى أقاصي العالم. هو ليس مجرد مغنٍّ آشوري، بل سفير ذاكرةٍ كاملة، تُطرّزها اللغة وتحتضنها الألحان.
في صوته رائحة الموصل حين تعزف كنائسها لحن الحياة، ودفء البصرة حين كانت تستفيق على أناشيد الأمل. نشأته المبكرة وسط عائلة أحاطته بالحب والعلم والتراتيل، جعلته يُمسك بالموسيقى كما يُمسك الطفل بلعبته الأولى… بشغف لا يفتر، وبنقاء لا يتلوّث.
أحبّ نوفل الموسيقى لا كترفٍ، بل كنجاة. كان العود والبيانو والميلوديكا رفاق دربه في مسيرة لم تكن سهلة، لكنها كانت حقيقية. عانق التراث الآشوري، لا بوصفه إرثًا جامدًا، بل روحًا حيّة تنبض بكل لحن، وتستعيد كل كلمة ضاعت في عتمات التاريخ.
في رحلته الفنية، لم يكن نوفل مجرد مؤدٍ، بل مؤلّف حلم. صاغ ألبوماته وكأنها مرايا صغيرة تعكس ملامح أمة، وتبث في أوصالها نبضًا جديدًا. من “Songs From Babylon” إلى “Assyrian Girl”، ظل صوته يُقيم جسورًا بين الحنين والغد، بين الوطن والمنفى، بين الموروث والتجديد.
ما يميّز نوفل شمعون حقًا هو تلك القدرة النادرة على الغناء بلغات متعددة دون أن يفقد هويته. من الآشورية إلى العربية والفارسية واليونانية، ظل وفياً لنبرته الخاصة، لتلك النغمة الدافئة التي تُشبه دعاءً خافتًا في كنيسة قديمة.
هجراته لم تُطفئ صوته، بل زادته عمقًا. في المنافي الأوروبية، تحديدًا من السويد إلى أصداء العالم، ظل نوفل يُغني لا ليُسلّي، بل ليُذكّر… بأن الأرض التي أنبتت أول حرف، لا تزال تُنبت الفن، وبأن الشعوب التي تُغنّي لا تموت.
نوفل شمعون ليس فقط فنانًا آشوريًا مغتربًا، بل شاهد على زمن، ورسول موسيقى يحملها بخفة العارف، وبمسؤولية الحالم. في صوته ذاكرة شعب، وفي حضوره وعدٌ أن الفن الحقّ، حتى لو وُلد في أقسى الزوايا، سيظل نورًا لا يُطفأ.
الإعلامية مايا إبراهيم





