مايا إبراهيم تكتب : نايلة دو فريج… سيّدة الأعمدة التي لا تنهار

مايا إبراهيم تكتب : نايلة دو فريج… سيّدة الأعمدة التي لا تنهار

في لبنان، حيث تصارع الثقافة لتتنفّس بين أزمات الاقتصاد والسياسة، تطلّ نايلة دو فريج كشعلةٍ لا تنطفئ. ليست مجرّد رئيسة للجنة مهرجانات بعلبك الدولية، بل روحٌ تُحيي التاريخ في قلب المعابد، وتعيد إلى الحجارة البكماء نغمتها الخالدة.

 

هي ابنة بيت لبناني عريق، وشغوفة بالثقافة والفن، دخلت إلى عالم المهرجانات من بوابة الالتزام، فتدرّجت في لجان التنظيم حتى وصلت إلى رئاسة أحد أعرق المهرجانات في العالم العربي. لم تكن مهمّتها سهلة، فمهرجانات بعلبك التي وُلدت عام 1956 على يد الرئيس كميل شمعون، كادت أن تُطفأ شعلتها في زمن الحرب والضيق، لكنها أعادت انطلاقتها عام 1998، فكانت نايلة دو فريج إحدى ركائز هذه العودة المهيبة.

 

بفضل رؤيتها المتوازنة بين الأصالة والانفتاح، قادت بعلبك إلى عصور جديدة من التألّق، جمعت فيها بين عروض الأوبرا الرفيعة، والموسيقى المعاصرة، والفلكلور، والموسيقى العالمية. آمنت دومًا أنّ الفنّ مقاومة، وأنّ بعلبك ليست فقط مسرحًا أثريًا، بل مساحة للحياة، للضوء، ولإعادة تعريف لبنان أمام العالم.

 

في عزّ الأزمات، لم تتخلَّ نايلة عن المهرجان، بل حولته إلى مقاومة ثقافية صامدة، وأقامت حفلات من دون جمهور في ظلّ كورونا، وفعاليات تضامنية وسط الحرب والأزمات. وتصرّ على أن يبقى المهرجان منصّة لحلم جماعي، يتعانق فيه الإبداع مع التاريخ، وتبقى بعلبك قبلة للأنظار من الشرق والغرب.

 

وراء هذا التألق أيضًا، يقف فريق عمل متكامل وكفوء، يتقاسم معها الشغف والمسؤولية، ويعمل بانسجام لبلوغ هذا المستوى الرفيع من التنظيم والتميّز. فريقٌ يُتقن التفاصيل، ويؤمن بأن الثقافة فعل جماعي يثمر فقط حين تتضافر الإرادات.

 

صيف 2025 ليس استثناءً، إذ أطلقت دو فريج موسمًا بعنوان “أعمدة الخلود”، تُحييه أصوات قوية مثل أوبرا “كارمن” بإنتاج لبناني مشرّف، وحفل لهبة طوجي بقيادة أسامة الرحباني. كلّ عرض يحمل توقيعًا خاصًا بها، لا في الصوت فقط، بل في المعنى، في الخلفية، وفي الإصرار على أن الفن لا يموت.

 

ليست نايلة دو فريج مجرد اسم إداري، بل امرأة تقف بين الأعمدة، تنصت إلى صدى التاريخ، وتضيف عليه نغمتها، وتُصرّ أن تبقى الشعلة مضاءة، مهما عصفت الرياح. هي ذاكرة مهرجانات بعلبك وحارستها، وهي أيضًا بصمتها الآتية من الغد.

الإعلامية مايا إبراهيم