مايا إبراهيم تكتب :  معلولا… حين يُصلّي الجبل بلغة المسيح وتُشقّ الصخور لتفتح دربًا للقدّيسين

مايا إبراهيم تكتب :  معلولا… حين يُصلّي الجبل بلغة المسيح وتُشقّ الصخور لتفتح دربًا للقدّيسين

في أحضان جبال القلمون، وعلى بُعد نحو خمسين كيلومترًا شمال دمشق، ترقد معلولا كما ترقد الصلاة على شفاه القدّيسين.
بلدة ليست ككلّ البلدات، بل أيقونة محفورة في قلب الصخر، تنطق بالآرامية — لغة السيّد المسيح — وتغزل من الماضي شالًا يلفّ روح الزائرين.

معلولا، وتعني “الممرّ الضيّق” أو “المعبر”، كأنها دهليز بين الأرض والسماء. لا تكاد تطأ قدماك ترابها حتى تشعر أنّك انتقلت إلى زمن آخر، زمن يخلط بين المعجزة والأسطورة، وبين الحجر والنبض، حيث لا تزال الهمسات تُتلى بنفس اللغة التي نطق بها المسيح يوم قال: “طليثا قومي”.

في قلب هذه البلدة المعلّقة على كتف الجبل، يتربّع دير القديسة تقلا، شامخًا مثل إيمانٍ لا يصدأ. تقلا، تلك التلميذة الأولى للقدّيس بولس، التي طاردوها لتموت شهيدة، فانشقّ لها الجبل بمعجزة خالدة وفتح لها ممرًّا لتنقذ الروح والجسد. ومن هنا وُلدت “شقّة تقلا” — ذلك الكهف المقدّس الذي يشهد كلّ يوم على أسرار الإيمان وعجائب الشفاء.

مياه الشقّة لا تنضب. تنهمر من قلب الجبل كأنها دموع قدّيسٍ يفيض حنانًا، ويُقال إنّها تشفي المرضى وتُريح المتعبين. لا عجب إذًا أن يزورها المسيحيّون والمسلمون معًا، حاملين نذورهم، وهمسات أمانيهم، وبقايا وجع يبحث عن عزاءٍ لا يُشبه الأرض.

معلولا ليست فقط معقلًا للمسيحيّة الشرقية، بل أيضًا مرآة حقيقية للتسامح السوري العتيق. فيها تتعانق الكنيسة والمسجد، وتتجاور الأجراس والأذان، وتختلط الأدعية في السماء كما تختلط الألوان على جدران بيوتها الزرقاء والبيضاء، كأنها لوحة رسمها ملاك.

رغم ما شهدته من ألمٍ ودمار في الحرب، نهضت معلولا مجددًا، بعناد الصخر وإيمان القدّيسين. رمّمت جراحها بصمت، وفتحت أبوابها للزائرين من جديد، كأنها تقول:
“القداسة لا تُقصف، والمعجزات لا تموت”.

هنا، لا يكون السفر مجرّد رحلة جغرافية، بل حجٌّ روحي، يغسل القلب من غبار العالم ويعلّمه كيف يُصغي لنداء السماء .