مايا إبراهيم تكتب :  مبارك دخلة… حين يتكلّم المالوف بلهجة القلب

مايا إبراهيم تكتب :  مبارك دخلة… حين يتكلّم المالوف بلهجة القلب

في مدينة عنابة، حيث البحر يعانق التاريخ، وعبق الأندلس لا يزال يتردّد في أزقة الموسيقى، وُلد صوتٌ يشبه الذاكرة ويُشبه الحنين: مبارك دخلة، أحد أعمدة فنّ المالوف الجزائري، وصوتٌ نقيّ حفظ التراث ووشّاه بأحاسيسه.

منذ نعومة أظافره، تفتّحت موهبته على نغم الكمان والصولفيج، وتتلمذ على يد الشيخ حسان العنابي، فصقل موهبته بمعرفة عميقة وأصالة متجذّرة. لم يكن دخلة مجرّد مؤدٍّ لهذا الفنّ العريق، بل عاشقًا يغنّي وكأنه يصلّي بنغمة، يُؤنسن المقامات، ويعطي للموشح روحًا تُشبه ضوء القناديل في ليالي عنابة القديمة.

في رصيده أكثر من 45 ألبومًا، تتنوّع بين القصائد الروحية، والموشّحات الأندلسية، وأغاني المالوف العاطفية، من بينها “صبرينة”، و”حنان”، و”نجمة”، و”سمراء”، و”يا محلا السهرة الليلة”، وهي أعمال لم تُحفظ فقط على الأقراص، بل على شفاه الناس ووجدانهم.

يؤمن مبارك دخلة أن المالوف ليس تراثًا جامدًا، بل كائن حيّ يجب أن يُغذّى بروح العصر دون أن تُمسّ أصوله. لذلك نراه يُدخل آلات حديثة، ويعيد توزيع بعض الأعمال بلغة شبابية، محافظًا في الوقت ذاته على الوزن والمقام والدلالة.

على المسارح الجزائرية، من قسنطينة إلى بسكرة، ومن الجزائر العاصمة إلى تيبازة، يغنّي دخلة فتُغنّي معه الجموع: “بالهوى قلبي تعلّق”، و”نجمة”، و”عيون لحبارة”، في اندماجٍ نادر بين الجمهور والحنجرة.

كما كان من أبرز المشاركين في المهرجانات الوطنية والدولية، لا سيما في المهرجان الدولي للمالوف في قسنطينة، حيث جمعته الخشبة بأصوات من تونس وتركيا ولبنان، لتكون الجزائر دومًا في قلب الحوار الموسيقي العالمي.

ولأن الفنّ مرآة الروح، اختار دخلة أن يكون سفيرًا لفنّه لا بالتكلّف ولا بالادّعاء، بل بالتواضع والإتقان. لم تغيّره الشهرة، ولم تشتّته الأضواء، ظلّ مخلصًا لفنّه كما يُخلص العاشق لحبيبته.

 خلاصة القول:

مبارك دخلة ليس مجرّد فنان يردّد ألحان الأندلس، بل هو حارس ذاكرة موسيقية تُوشك أن تُنسى، وصوتٌ يُعيد الحياة لنوتةٍ قديمة.
في صوته شيء من البخور، وشيء من المطر، وشيء من شجن المدن التي تعرف كيف تخبّئ حكاياتها في الأغاني.
الإعلامية مايا إبراهيم