مايا إبراهيم تكتب : عادل بيساني… سيّد الذاكرة الوفية
في زحام هذا العصر السريع، حيث تتساقط الأسماء من الذاكرة كما تتساقط الأوراق اليابسة من شجرة الزمن، يخرج صوت ناعم ووفيّ من خلف الشاشة، ليقول: “ثمّة من يستحق أن يُتذكّر، ثمّة مَن لا يجوز أن يُنسى”. ذلك الصوت هو صوت عادل بيساني، الصحافي اللبناني الذي قرّر أن يُقيم أرشيفًا حيًّا في قلب الفيسبوك، وأن يكون بوصلتنا نحو الزمن الذهبي الذي ما زال يضيء أرواحنا رغم غيابه.
“في البال”… مبادرة يومية بسيطة في ظاهرها، عظيمة في جوهرها. منشورٌ يتيم في الشكل، لكنّه حاضن لذاكرة شعب، ومرآة لفنٍّ نقيّ، وأسماء شكّلت وجداننا الثقافي، من نجوم الشاشة الفضية إلى عمالقة المسرح والغناء والأدب. مبادرة، ما كانت لتستمر لو لم تكن صادرة عن محبّة حقيقية، ورغبة صادقة في الوفاء.
عادل لا يكتب عنهم كصحافي عابر يقدّم معلومة وينصرف، بل كمن يشعل قنديلًا في ممرّ الذاكرة، كي لا يضيع من مرّ من هنا. في منشوراته، تحضر الشخصيات بكامل هيبتها وأناقتها، تُبعث من صورها القديمة بعبق الزمن، وتُستعاد سيرتها بإجلال، بعيدًا عن الإثارة أو الابتذال.
ولأن الوفاء لا يحتاج منبرًا تلفزيونيًا ولا كاميرات، اختار بيساني فضاء الفيسبوك، وصاغ منه حديقة ذاكرة. منشوراته ليست مجرد “نوستالجيا”، بل فعل توثيق وجداني، وثقافي. يذكّرنا بمن علّمونا الجمال، ومن أضاءوا ليالينا قبل أن يخفت الضوء عنهم في زمن الاستهلاك السريع.
وما يميّز عادل أيضًا، أنه لا ينتظر مناسبة ليكتب. لا يكتب في ذكرى وفاة أو ميلاد فقط، بل يكتب لأنّه يُحب، لأنّهم “في باله”، كلّ يوم. يوقظ وجداننا من سباته، ويدفعنا لأن نقول: شكرًا لأنّك لم تنسَ من نسيهم الزمن.
عادل بيساني هو ذاكرة تمشي بيننا، تكتب، وتُذكّر، وتمنح الاعتراف لمن يستحق. في زمن الخفوت، هو صوت النور. وفي زمن التناسي، هو صوتٌ للمحبّة.
الإعلامية مايا إبراهيم





