مايا إبراهيم تكتب :  د. خالد عاشور… الناقد العلمي الذي يُجسّد الفنّ بتشريح عالِم

مايا إبراهيم تكتب :  د. خالد عاشور… الناقد العلمي الذي يُجسّد الفنّ بتشريح عالِم

في زمنٍ باتت فيه التخصصات العلمية مغلقة على نفسها، يُطلّ علينا الدكتور خالد عاشور كأحد الاستثناءات المضيئة، رجلٌ بنبضين: نبض فيزياء البلازما واندماج الطاقة، ونبض النقد الفني والسيميولوجيا. لا يصنّف نفسه داخل قالبٍ واحد، بل يُجسّد اتساع الفكر حين يتجاوز الحدود المصطنعة بين العلم والروح، بين المعادلة والرمز، بين المختبر والصالة.

من أروقة الجامعة الأميركية في القاهرة (AUC)، حيث يُدرّس لطلبة الدراسات العليا أدقّ مفاهيم فيزياء البلازما وقلب المفاعلات النووية، إلى قاعات الأزهر، حيث يحلل بعمق رمزية اللون في لوحة، أو يقرأ دلالات الحركة في مشهد مسرحي. خالد عاشور لا يدرّس فقط، بل يبعث الحياة في كلّ ما يلمسه… سواء كان ذرةً أو إشارة فنية.

هو العالم الذي لم تقف الفيزياء في طريق شغفه الإنساني، بل جعل منها مرآة لفهم الكون على مستويين: المادي والرمزي. حين يشرح لطلابه اندماج الطاقة، يفتح أمامهم نوافذ نحو مفاهيم فلسفية عن الاحتراق الداخلي والتحوّل؛ وحين يتناول السيميولوجيا الفنية، يمنحهم مفاتيح لفكّ شيفرات الوعي البصري والاجتماعي والجمالي.

ما يميّزه حقًا ليس فقط عمقه المعرفي، بل تلك اللغة التي توازن بين الدقة العلمية والشاعرية النقدية. يتكلّم في النظريات كما يتكلم في التأويل، ويكتب بلغةٍ لا تُثقِل القارئ بل تُضيء له الطريق. وهو بذلك يقدّم نموذجًا نادرًا لـ”الأستاذ الشامل”، لا ذاك الذي يتقن مادةً فحسب، بل من يرى المعرفة نسيجًا متكاملًا لا يتجزأ.

في عالم النقد الفني، حيث كثيرون يتجنبون الكشف عن العيوب حفاظًا على العلاقات أو تجنبًا للجدل، يقف الدكتور خالد عاشور كجراح بارع يُجري على العمل الفني تشريحًا دقيقًا، لا يترك شبرًا من تفاصيله إلا وفحصه بعين ناقدة لا ترحم.

نقده ليس مزحة أو مجاملة، بل هو عملية تشريح عميقة كما في العلوم، حيث يُفكك العمل إلى أجزائه، يحلل العُقد، يُشخّص الأمراض، ويكشف نقاط الضعف بكل مهنية. لا يغفل عن التفاصيل الدقيقة، ولا يُخفي عيوبًا تحت طبقات الزينة أو التجميل.

مثل الطبيب الذي يتعامل مع جسد الإنسان، يُعالج خالد عاشور الفن بصراحة علمية، تارة يحذر من “الأنسجة الميتة” في النصوص أو الأداء، وأخرى يبرز “الأعضاء الحيوية” التي تعطي العمل حياته وروحه. هو نقد لا يعترف بالتجميل، بل يطالب بالصراحة الشفافة والجرأة في الموقف.

في تدريس النقد الفني، ينقل لطلابه هذه الفلسفة: أن لا يخافوا رؤية الحقيقة، مهما كانت مؤلمة، لأن الفن الحقيقي يحتاج إلى تشريح مُفصل ليُشفى وينمو، وليس إلى مجاملات تخفي الحقائق. هذا هو سرّ قوته وتأثيره، ونقاء فكره.

في عالم يتوارى فيه كثيرون خلف كلمات رقيقة، يظل خالد عاشور الناقد الذي يُعلن صراحة: “نقدي كالسكين الحاد، لكن من أجلكم، من أجل الفن، من أجل التطور.”
الإعلامية مايا إبراهيم