مايا إبراهيم تكتب :  إليسار ندّاف جعجع… من أرشيف الذاكرة إلى قيادة الشاشة

مايا إبراهيم تكتب :  إليسار ندّاف جعجع… من أرشيف الذاكرة إلى قيادة الشاشة

في المشهد الإعلامي اللبناني المتقلّب، حيث تتنازع التقاليد مع ضرورات التحديث، برزت شخصية أنثوية بملامح فكرية وإدارية واثقة. ليست وافدة إلى الإعلام من بوّابة السياسة ولا من منصّات التسويق، بل من ذاكرة الوطن المكتوبة والمصوّرة. إليسار ندّاف جعجع، اسمٌ يتقدّم اليوم إلى الواجهة لا ليجذب الأضواء، بل ليعيد توجيهها نحو شاشة تستحق أن يُعاد النظر إليها.

في زمنٍ تتكاثر فيه الأسئلة حول مستقبل الإعلام الرسمي في لبنان، تبرز إليسار ندّاف جعجع كإجابة أنيقة وهادئة، تتسلّل بخطى ثابتة من خلف الكواليس لتتسلّم دفّة تلفزيون لبنان، أعرق المحطات وأكثرها حاجة إلى البعث والنبض الجديد.

ليست دخيلة على هذا الصرح، بل واحدة من العارفين بدهاليزه، ومن الذين عملوا بصمت خلف أرشيفه، ينقّبون في ذاكرة الوطن ويمنحونها حياة جديدة. منذ العام 2011، كانت مستشارة لأرشيف تلفزيون لبنان، وتعمل اليوم على إدراج هذا الإرث الثقافي ضمن برنامج “ذاكرة العالم” بالتعاون مع اليونسكو، وهو إنجاز لا يُستهان به في زمنٍ تفلت فيه الذاكرة من أيدينا.

تحمل إليسار دكتوراه في الأدب الفرنسي من جامعة الروح القدس – الكسليك، وشهادة في الصحافة من الجامعة اللبنانية. هذا المزج بين اللغة والفكر والإعلام صنع منها امرأة تعرف كيف تكتب الخطاب الإعلامي، وتعي أهميّة الصورة والكلمة معًا. بدأت مسيرتها محرّرة في “La Revue du Liban”، ثم انتقلت إلى الوكالة الوطنية للإعلام، قبل أن تضطلع بمهام إعلامية على مستوى دولي كمستشارة للشؤون الفرنكوفونية في وزارة الإعلام.

من هناك، نالت لقب “حارسة الفرنكوفونية”، إذ أطلقت نشرة إخبارية فرنسية يومية، وطوّرت المواقع الإلكترونية الرسمية باللغتين، وسعت إلى بناء شراكات مع مؤسسات دولية مثل فرنسا 24 وإذاعة فرنسا الدولية والمنظمة العالمية للفرنكوفونية.

تعيينها على رأس تلفزيون لبنان لم يأتِ من فراغ، بل هو تتويج لسنوات من العمل الدؤوب خارج دائرة الأضواء، واعتراف بكفاءتها في أرشفة الذاكرة ورسم ملامح المستقبل. وفي بلدٍ ينهكه الانقسام، جاء هذا التعيين بموافقة مجلس الوزراء كخطوة جامعة، تُراهن على أن المهنية الصامتة قد تكون أشد وقعًا من الصخب الإعلامي العابر.

إليسار ندّاف جعجع لا تبيع الأحلام، لكنها تؤمن بالإصلاح من الداخل. تُدرك أن المعركة الكبرى ليست فقط في استعادة البث والمشاهد، بل في استعادة الثقة: ثقة المواطن بالمؤسسة الرسمية، وثقة العاملين بأن النهوض من الركام لا يزال ممكنًا.

في حضورها، شيء من هيبة الماضي، ورؤية للمستقبل، وهدوء من يعرف أن الإنجاز الحقيقي لا يحتاج إلى صراخ… بل إلى عملٍ يوميّ شجاع، يليق باسم تلفزيون لبنان.

بين التاريخ والمستقبل، تقف إليسار ندّاف جعجع على عتبة مسؤولية ثقيلة، لكنها ليست غريبة عنها. تعرف الأرض التي تمشي عليها، وتدرك أين تحتفظ الذاكرة بأجمل ما لدينا. والمراهنة اليوم ليست فقط على قدرتها الإدارية، بل على إيمانها العميق بأن الإعلام الرسمي ليس مجرّد منصة، بل مرآة لكرامة بلد، ولصوت يجب ألّا ينقطع… مهما تغيّرت الأزمنة.
الإعلامية مايا إبراهيم